في المجتمعات التي تلتزم بالعادات والتقاليد، يبرز زواج الأقارب كعادة متجذرة، تجمع بين دفء الروابط العائلية ومخاطر صحية واجتماعية جسيمة. في سوريا، حيث تتشابك الأزمات الإنسانية مع الضغوط الاجتماعية، يظهر هذا النوع من الزواج كتهديد حقيقي للأجيال القادمة. بين غياب الوعي الطبي والتمسك بالعادات القديمة، يولد أطفال يعانون من أمراض وراثية وتشوهات خلقية، ليصبح السؤال الأهم: هل تستحق التقاليد المحافظة أن تكون على حساب صحة الإنسان ومستقبله؟
بين الإكراه والتحديات
القصص الواقعية تكشف حجم المعاناة خلف هذا النمط من الزواج. حليمة رمضان من حلب، 18 عامًا، أجبرت على الزواج من ابن عمها بسبب العادات العائلية، رغم غياب الحب بينهما. تقول حليمة لـ”963+“: “رزقت بطفلين، أحدهما يعاني من شلل والآخر من سوء التغذية، مما دفع زوجي للزواج بأخرى لإنجاب أطفال سليمين، وتركني وحدي أعتني بأولادي”.
أما ابتسام، 35 عاماً من دمشق، فتربطها صلة قرابة مزدوجة بزوجها، وأدى ذلك إلى فقدان خمسة من أطفالها الذكور قبل الولادة، بينما أنجبت ثلاث فتيات عشن حياة طبيعية. تقول ابتسام لـ”963+“: “أنجبت ثلاث فتيات يعشن حياة طبيعية، لكنني فقدت خمسة أولاد خلال ثمانية عشر عاماً”.
قصة فاطمة عيد من حلب تروي مأساة الزواج بالإكراه، إذ تزوجت من ابن عمها رغماً عنها تحت ضغط والدها وعمها. تقول فاطمة لـ”963+“: “أعيش معه جسدًا بلا روح”، مضيفة أن تدخل العائلة منعها من طلب الطلاق، وحرمتها من اتخاذ قرارها بحرية.
اقرأ أيضاً: نساء الحارة السورية القديمة… ذاكرة من طين وياسمين – 963+
التأثير النفسي والصحي لزواج الأقارب
هذه التجارب تعكس بوضوح ما تحذر منه الدكتورة شفاء صوان، الباحثة الاجتماعية والاستشارية، من تأثيرات نفسية وجسدية وخيمة لهذا النوع من الزواج. وتشير صوان في حديث لـ”963+” إلى أن الزواج بالإكراه وزواج الأقارب قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب، القلق، فقدان الثقة بالنفس، وحتى التفكير بالانتحار، وفي بعض الحالات تتطور الأعراض إلى هلوسات مزمنة وأمراض نفسية عضوية تهدد التوازن النفسي للمرأة على المدى الطويل.
التأثير النفسي والصحي لزواج الأقارب
على الصعيد الجسدي، ينعكس الضغط النفسي على صحة المرأة من خلال أعراض مثل ارتفاع ضغط الدم، ضعف المناعة، واضطرابات النوم، إلى جانب صعوبة التكيف مع الحياة الزوجية، ما يزيد من التوتر الجسدي والنفسي.
أما على المستوى الوراثي، فيرفع زواج الأقارب احتمالية الإصابة بأمراض مثل التلاسيميا، فقر الدم المنجلي، وبعض التشوهات الخلقية، كما يؤثر على الأطفال الذين قد يواجهون صعوبات في الاندماج الاجتماعي نتيجة الإعاقات أو الأمراض الوراثية، مما يضاعف العزلة والوصمة الاجتماعية ويترك أثرًا طويل الأمد على تطورهم النفسي والسلوكي.
وتشدد صوان على ضرورة التصدي لهذه الظاهرة من خلال إجراءات وقائية تشمل: إجراء فحوصات وراثية قبل الزواج، نشر التوعية الصحية عبر وسائل الإعلام والبرامج التعليمية، تقديم الاستشارات الوراثية للأزواج المحتملين، وتشجيع الزواج من خارج نطاق العائلة لتقليل انتقال الأمراض الوراثية.
اقرأ أيضاً: البيت السوري.. مرآة الثقافة وتأريخ للحياة – 963+
كما تدعو إلى إدراج موضوعات الصحة الوراثية ضمن المناهج الدراسية، وتنظيم ندوات وورش عمل تجمع خبراء الطب والفقه، مع جعل الفحص الوراثي شرطًا قانونيًا قبل الزواج للحد من المخاطر الصحية والاجتماعية.
وفي ظل غياب الوعي الطبي وضعف التعليم وسيطرة الأعراف العشائرية، ما تزال فتيات سوريات يجبرن على الزواج من أقاربهن، ما يؤدي إلى ولادات تعاني من تشوهات عقلية وجسدية وأمراض وراثية يصعب علاجها.
ويعكس استمرار هذا النمط من الزواج، أزمة اجتماعية حقيقية، ويكشف عن الحاجة الملحة لإعادة النظر في الموروثات الثقافية التي تضع صحة الإنسان على المحك، وتؤكد أن التمسك بالتقاليد على حساب حياة الإنسان لا يولد سوى الألم والمعاناة.
قصص حليمة، ابتسام، وفاطمة، جميعها تحكي عن معاناة حقيقية خلف الأعراف الاجتماعية المتجذرة. هذه التجارب تؤكد أن الوعي الصحي واتخاذ القرار بحرية يُثمر حياة صحية ومستقبلاً أفضل للأجيال القادمة. فالحكمة المستخلصة واضحة: حماية الإنسان أولًا، قبل أي تقليد أو عرف اجتماعي.










