دخل “حزب العمال الكردستاني” مرحلة جديدة في مسيرته، وذلك بعد إعلان انسحاب قواته من تركيا إلى مناطق “الدفاع ميديا” في شمال إقليم كردستان العراق، تنفيذاً لقرارات المؤتمر الثاني عشر للحزب وموافقة زعيم الحزب عبد الله أوجلان.
وأوضح الحزب أن الانسحاب سيتم مع اتخاذ إجراءات احترازية في مناطق التماس لتجنب أي اشتباكات، معتبراً هذه الخطوة مرحلة مهمة ضمن عملية طويلة لإنهاء الصراع المسلح المستمر منذ أكثر من أربعة عقود وتحويل التركيز نحو العمل السياسي والديموقراطي.
ويأتي الانسحاب في إطار سلسلة من التفاهمات غير المباشرة مع تركيا، حيث يُتوقع أن تتبع خطوات عملية من الجانب التركي لتعزيز الثقة، تشمل متابعة نزع السلاح طواعية وفتح قنوات للتفاهم السياسي، كما سبق لهذه العملية أن شهدت مراحل رمزية، أبرزها إتلاف جزء من أسلحة الحزب في السليمانية، وهو ما اعتُبر إشارة لالتزام الحزب بالتحول إلى السياسة المدنية.
إلا أن خطوة الحزب تزامنت مع موافقة البرلمان التركي على تمديد مهمة القوات المسلحة التركية في سوريا والعراق لمدة ثلاث سنوات إضافية، بناءً على اقتراح من الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي أكد أن التهديدات “الإرهابية” المستمرة على الحدود الجنوبية لتركيا ما زالت تشكل خطراً على الأمن القومي.
ويقول الدكتور زارا صالح، الباحث في دراسات السلام وحل النزاعات في بريطانيا، إن “قرار البرلمان التركي بتمديد مهمة القوات التركية في سوريا والعراق يعكس استمرار أنقرة في نهجها العسكري بدلاً من السعي إلى حل جذري للقضية الكردية”، وأن الخطوة تعكس شكوكاً في جدية أنقرة في المضي بمسار “السلام الداخلي”، إضافة إلى أن بقاء القوات التركية في الشمال السوري والعراق يمثل انتهاكاً لسيادة الدولتين.
تفاهمات كردية – تركية
يرى صالح، أن عملية انسحاب مقاتلي “حزب العمال الكردستاني” من الأراضي التركية تأتي في سياق التفاهمات التي جرت بين الحزب بقيادة عبد الله أوجلان والحكومة التركية، والتي يطلق عليها الكرد “مشروع السلام”، بينما تصر أنقرة على تسميتها “تركيا الخالية من الإرهاب”، ما يثير جدلاً واسعاً وتناقضاً في المواقف داخل الأوساط التركية.
ويشير في حديث لـ”963+”، إلى أن عملية السلام ما تزال في مراحلها الأولى وستستغرق وقتاً طويلاً للوصول إلى صيغة نهائية، موضحاً أن خطوة الانسحاب الأخيرة من جانب حزب العمال الكردستاني تأتي ضمن هذا الإطار، ومن المتوقع أن يتبعها خطوات مقابلة من الجانب التركي، إلا أن غياب أي مبادرة أو حسن نية من أنقرة قد يعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وأن نجاح أي عملية سلام حقيقية يتطلب إجراءات متبادلة من الطرفين، لا وعوداً أحادية الجانب.
ويضيف الباحث أن الحكومة التركية لم تتخذ حتى الآن خطوات عملية على الأرض تؤكد رغبتها في الحل الجذري للقضية الكردية، رغم تشكيل لجنة برلمانية تُعنى بالتواصل مع أوجلان وممثلي الحزب، وأن المشكلة الكردية في تركيا ليست قضية أفراد أو تنظيم، بل قضية شعب تمتد جذورها إلى ما قبل تأسيس الجمهورية التركية، وأن الحل الحقيقي يبدأ من الإقرار الدستوري بوجود الشعب الكردي وضمان حقوقه دستورياً وسياسياً.
انعكاس إيجابي على العراق
يوضح الدكتور زارا صالح، أن أي اتفاق محتمل بين “حزب العمال الكردستاني” والحكومة التركية سينعكس إيجاباً على الوضع في العراق، خصوصاً في ظل سيادة هشة وتعدد التدخلات الإقليمية من إيران وتركيا، إضافة إلى أن أنقرة تستخدم ذريعة “محاربة الإرهاب” لتبرير وجود قواعد عسكرية داخل الأراضي العراقية، وأن التوصل إلى حل نهائي سيمنح بغداد فرصة للمطالبة بانسحاب القوات التركية من شمال العراق.
ويتابع، أن فشل مفاوضات السلام أو نكوص تركيا عن التزاماتها سيؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي في كل من العراق وتركيا، خاصة مع انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني إلى جبال قنديل في إقليم كردستان العراق، وعليه فإن عودة القتال في هذه المناطق ستزيد من هشاشة الوضع الأمني وتعمّق الأزمات الاقتصادية والسياسية في المنطقة.
ويؤكد، أن نجاح مشروع السلام سيفتح الباب أمام استقرار اقتصادي وسياسي واسع في المنطقة، وسينعكس على مشروع التنمية الإقليمي الذي من المقرر أن ينطلق من جنوب العراق باتجاه تركيا وأوروبا، ما سيؤدي إلى تحسين العلاقات الثنائية وحل الخلافات المائية حول نهري دجلة والفرات.
ويرى أن حل القضية الكردية في تركيا سينعكس بشكل مباشر على الوضع في سوريا والعلاقة بين الكرد والحكومة السورية الانتقالية، وأن أنقرة كانت تستخدم نفوذها على الحكومة لإعاقة أي حوار أو مشروع فيدرالي حقيقي في شمال وشرق سوريا، إضافة إلى أن أي تسوية عادلة وشاملة ستشكل منعطفاً تاريخياً نحو استقرار الشرق الأوسط بأكمله، شرط أن تكون جذرية وتستند إلى الاعتراف المتبادل بحقوق الشعوب في الحرية والعيش الكريم.
قلق عراقي
إلا أن هذه التطورات أثارت قلق الحكومة العراقية حول تأثير الانسحاب على الأمن الحدودي ومنع أي تدخلات خارجية، خصوصاً مع عودة بعض المقاتلين العراقيين الذين قد يشكلون جزءاً من متابعة تنفيذ الاتفاق وضمان الاستقرار في المناطق الحدودية.
وحذرت لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي من خطورة انسحاب “حزب العمال الكردستاني” نحو إقليم كردستان، وأرسلت إلى رئيس الوزراء محمد شياع السوداني للاستفسار عن الخطوة وتداعياتها.
ويشير مدير مركز الهدف للدراسات الاستراتيجية صباح العكيلي، إلى أن ملف حزب العمال الكردستاني يعد من الملفات العالقة التي قد تثير خلافات بين العراق وتركيا، وأن إعلان الحزب حل الخط العسكري والتنظيم بشكل رسمي لم ينعكس على أرض الواقع، حيث يواصل عناصره الانتقال من الأراضي التركية إلى الأراضي العراقية، ما يشكل “انتهاكاً” للسيادة العراقية ويخالف الدستور الذي يمنع استخدام الأراضي العراقية لاستهداف دول الجوار.
ويضيف العكيلي في حديث لـ”963+”، أن هذا التحرك يتطلب موقفاً واضحاً من وزارة الخارجية والحكومة العراقية لمعالجة انتشار عناصر الحزب، إضافة إلى ضرورة ضبط الحدود العراقية وأراضي إقليم كردستان لمنع تحولها إلى ملاذات للأحزاب المعارضة.
ويشير، إلى أن وجود تمركز عسكري تركي في شمال العراق يزيد من تعقيد الوضع، وأن حل هذه القضية يمثل خطوة أساسية لتعزيز التقارب بين بغداد وأنقرة، وأن الاتفاق على مسألة “حزب العمال الكردستاني” قد يكون مرتبطاً بملفات أخرى، أبرزها قضية المياه، حيث يرى أن تسوية هذا الملف قد تساهم في التوصل إلى اتفاق بين الجانبين حول حصة العراق من المياه، في ظل شحة المياه الحالية التي تهدد الأمن القومي والزراعة والصناعة.
“نهاية الكفاح المسلح”
مطلع تموز/ يوليو الماضي، أعلن قائد ومؤسس “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان، نهاية ما أسماه “الكفاح المسلح ضد الدولة التركية”، داعياً إلى ضرورة الانتقال الكامل إلى العمل السياسي.
وذكر الزعيم الكردي في أول كلمة مصورة بعد عقود، أنه يتم تشكيل لجنة واسعة ومسؤولة داخل البرلمان التركي من أجل نزع السلاح بشكل طوعي، مشيراً إلى أن “هذا الأمر مهم”.
وأشار إلى أن آلية إلقاء السلاح ستحقق تقدماً بعملية السلام وتنهي الكفاح المسلح طواعية وننتقل لمرحلة السياسة والديمقراطية، لافتاً إلى أنه “سيتم تحديد الطرق المناسبة بخصوص إلقاء السلاح والقيام بخطوات عملية وسريعة”.
ودعا أوجلان إلى انتقال كامل إلى السياسة الديموقراطية، منوهاً إلى أن “المؤتمر 12 لحزب العمال الكردستاني رد بالإيجاب على ندائنا وهو رد تاريخي”.
وسبق ذلك، إعلان اللجنة التنفيذية لـ”حزب العمال الكردستاني” في بيان مطلع آذار/ مارس الماضي، عن موافقة على بيان أوجلان بشأن نزع السلاح، وقالت: “نحن كحزب العمال، نتفق مع مضمون الدعوة المذكورة بشكل مباشر ونعلن أننا سنلتزم بمتطلبات الدعوة وننفذها من جانبنا، ولكن مع ذلك، لا بدَّ من ضمان تحقيق الظروف السياسية الديموقراطية والأرضية القانونية لضمان النجاح”.
وذكرت اللجنة، أنه “من الواضح أن عملية تاريخية جديدة قد بدأت في كردستان والشرق الأوسط بالتزامن مع الدعوة المذكورة، وسيكون لذلك تأثير كبير على تطور الإدارة الديموقراطية والحياة الحرة في كل أرجاء العالم”.










