بعد سقوط النظام البائد، شهدت دمشق ازدياداً ملحوظاً في الحفلات التي يقدّم خلالها فنانون شباب عروض “الستاند آب كوميدي”، بعد أن كانت هذه الفعالية نادرة وقليلة مقارنة بأمسيات الشعر والموسيقى.
ويمكن القول إن هذا الفن بدأ يأخذ مكانه الطبيعي في المجتمع السوري، وبرزت أسماء عديدة ساهمت في إحيائه وتطويره، مثل: شريف حمصي: مؤسس فرقة YriaSt للستاند آب كوميدي، التي تركز على الكوميديا الاجتماعية بعيداً عن السياسة والدين. أحمد الفاضل: الذي تأثر بالممثل محمد حداقي، واتجه إلى صناعة المحتوى الكوميدي والستاند آب. أبو عمشا: فنان جمع بين الغناء والستاند آب كوميدي. عمار دبا: المقيم في هولندا، والذي قدّم أول عرض كبير للستاند آب كوميدي في سينما سيتي بدمشق بعد التحرير، واستمر العرض قرابة ساعة ونصف، كما هي عادة عروضه.
التغيير مفتاح الكوميديا
يعتبر السيناريست والممثل زيد الظريف من أوائل من خاضوا تجربة الستاند آب كوميدي في دمشق، حيث قدّم عدة أمسيات متفرقة منذ عام 2012. ويقول إن الفيلسوف هنري برجسون أوضح في كتابه “الضحك” أن مستوى الكوميديا ينخفض في المجتمعات التي تفقد الأمل بالتغيير، بينما يزدهر في البلدان المقبلة على تحولات جذرية.
ويضيف الظريف في حديثه لـ”963+”: “هذا ما يفسر انتشار فن الستاند آب كوميدي بعد سقوط النظام البائد. أما في عهده فقد كانت هذه الظاهرة شبه غائبة بسبب حالة اليأس العامة. ومع ذلك، ما يزال هذا الفن في سوريا خجولاً، لأنه يفتقد للحرية الداخلية. فحتى الآن يتجنّب فنانو هذا المجال النقد الجريء خوفاً من الهجوم أو الاتهام، رغم امتلاكهم الكثير من الأدوات الساخرة والبصرية”.
ويرى الظريف أن المجتمع السوري انقطع عن تقاليده الكوميدية العفوية منذ أيام دريد ونهاد، مما أفقد كثيراً من الفنانين عنصر الطرافة الذكية.
ويضيف: “هذا الفن يحتاج اليوم إلى بيئة أكثر ديمقراطية، وإلى متلقٍّ أكثر تقبّلاً للرأي الآخر. فما المانع أن يسخر الفنان من أي فكرة يشاء دون أن نتعامل معه بعدائية أو نعمل على إقصائه؟ هذا ما أعتبره إنجازاً عظيماً، لكن لا أعرف متى سنصل إليه”.
الستاند آب كوميدي ليس مسرحاً
يوضح الظريف أن الدراسة والتدريب والتنظيم هي العوامل الأساسية لنجاح فن الستاند آب كوميدي، بينما الارتجال اللحظي الناجح يبقى استثناءً نادراً. ويقول: “من يريد تقديم ستاند آب كوميدي عليه أن يدرس جيداً ما سيقدمه، ليتمكن من فتح قناة روحية مع الجمهور. لكن لا يمكن اعتبار هذا الفن نوعاً من المسرح، لأنه يعتمد على ممثل واحد في معايشة مباشرة مع الجمهور، ويختلف عن المونودراما التي يمكن أن تتناول موضوعات متنوعة، بينما يقتصر الستاند آب على السخرية والانتقاد لموضوعات محلية ومعاصرة”.
كما يبيّن أن الستاند آب يختلف أيضاً عن فن الحكواتي وفن السامر، رغم كونها جميعاً أشكالاً من التعبير الشفوي: “الحكواتي يقدّم قصة ذات قيمة في الذاكرة الجمعية، معتمداً على نص مكتوب أمامه. لكن ماذا لو نزعنا منه النص؟ ماذا سيفعل؟”
الحرب.. حضور لا مفر منه
وعن ارتباط معظم عروض الستاند آب السوري بموضوع الحرب، يقول الظريف: “الحرب هي السؤال الجوهري والمركزي للسوريين اليوم. فمن غير الممكن أن تصنع ستاند آب كوميدي يلامس هموم السوريين دون أن تكون الحرب موضوعاً أساسياً. لكن ينبغي اختيار مواضيع إنسانية عامة تتصل بتداعيات الحرب، وهذا يحتاج إلى فنان مثقف وصاحب تجربة عميقة. أما الانحياز لطرف ضد آخر فهو خطر كبير، لأنه لن يلقى قبولاً لدى جمهور متنوع في اصطفافاته”.
مساحة للتعبير الحر.. وممانعة مجتمعية
يتفق الممثل محمد خير الجراح مع الظريف في أن تناول موضوع الحرب كان ضرورياً لمخاطبة هموم الناس، ويقول لـ”963+”: “هذا الفن يمثل مساحة كبيرة للتعبير الحر، وقد وجد فيه الشباب الذين غادروا سوريا خلال الحرب وسيلة للتنفيس عن غضبهم وآلامهم بالسخرية”.
ويضيف أن الستاند آب كوميدي، ورغم عراقة تاريخه في أمريكا وأوروبا، ما يزال وليداً جديداً في سوريا: “كانت هناك تجارب قليلة قدمها فنانون محترفون مثل باسم ياخور وسامر المصري، لكنها بقيت محصورة ضمن حفلات جوائز أدونيا. نحن متأخرون في هذا المجال، لأنه يصطدم هنا بممانعة مجتمعية تحدّ من مساحته، وتعيق الروح الخلاقة للفنان، على عكس المجتمعات الأوروبية والأمريكية التي تحتضنه”.
حرية غير متاحة في الدراما
وعن إمكانية توجهه بشكل كامل للستاند آب كوميدي، يوضح الجراح: “الأمر ليس كذلك. أنا أستخدم الستاند آب كجزء من استعراضي الغنائي، كتمهيد طريف أو لبناء علاقة مع الجمهور. فمنذ أكثر من أربع سنوات أقدّم أغنيات ذات طابع نقدي اجتماعي وسياسي بأسلوب كوميدي، وهذا يلتقي مع روح الستاند آب”.
ويختم قائلاً: “وجدت في الأغنية والستاند آب كوميدي مساحة حرية لم تمنحني إياها الدراما، ففي الدراما الممثل مجرد جزء من مشروع قد لا يتفق مع أفكاره، بينما هنا أقول ما أريده تماماً”.
فعل مقاوم للخوف والرقابة
أما الناقد الفني ملهم الصالح فيرى أن الستاند آب كوميدي في سوريا ليس مجرد ترفيه، بل هو فعل ثقافي مقاوم للخوف والرقابة، ويقول لـ”963+”: “العروض تتناول قضايا الحياة اليومية مثل الخدمات العامة والسلوك الاجتماعي والسياسة، مع تفاعل مباشر ولحظي مع الجمهور يزيد من صعوبة الأداء. إنه فن مستقل يحمل رسالة ضمنية: استمرار الضحك يعني استمرار الحياة والأمل”.
ويبيّن الصالح أن هذا الفن يواجه صعوبات عدة، منها غياب الدعم الرسمي، نقص أماكن العرض الثابتة، وقلة الاحتكاك بالمشهد الكوميدي العربي والعالمي، مشيراً إلى أن عدد ممارسيه لا يتجاوز 30 كوميدياناً فقط.
فريق “ستيريا”
ويضيف الصالح: “رغم كل هذه التحديات، ظهر فريق ستيريا كأول فريق للستاند آب كوميدي في دمشق، يضم شباباً من خلفيات متنوعة. اعتمدوا على وسائل التواصل لبناء جمهورهم وابتكار فضاءات بديلة للتعبير الكوميدي. وبعد أحداث 2024 وسقوط النظام، بدأت عروضهم تركز على السخرية من النظام السابق ومعاناة السوريين اليومية، لكن ما تزال هناك عقبات كبيرة بسبب حساسية الجمهور ووجود معارضين لهذا الفن”.










