يحل عيد الفطر هذا العام في سوريا لأول مرة منذ أكثر من 50 عاماً بدون حكم عائلة الأسد، بعد سقوط نظام بشار الأسد مطلع كانون الأول/ ديسمبر الماضي، إلا أن البلاد لا تزال تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة وتدهور قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية رغم تحسنها نسبياً، في ظل استمرار العقوبات الغربية على البلاد، وانخفاض قيمة الرواتب ما أدى لضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين.
تشهد أسواق مدينة حلب شمالي سوريا لاسيما القديمة منها كالفرقان وسيف الدولة والشعار، ازدحاماً شديداً قبل عيد الفطر، حيث تعرض المحال التجارية الألبسة وحلويات العيد، لكن وسط ضعف كبير في القدرة الشرائية للسكان، في ظل أزمة اقتصادية تعانيها المدينة حالها كحال أغلب المدن السورية.
شراء الضروريات فقط
يقول محمد قره بي (56 عاماً)، وهو أحد تجار الألبسة في سوق الجلوم بحلب، إنه “رغم الازدحام الشديد إلا أن حركة البيع والشراء ضعيفة ولا تتجاوز 30% في حين كانت في العيد الماضي قد وصلت إلى نحو 90%، ما يشير إلى ضعف القدرة الشرائية للسكان.
ويضيف قره بي في تصريحات لموقع “963+”، أن “السكان عادوا إلى الخطة الأولى المعهودة وهي شراء الأهم فالأقل أهمية، حيث تحتاج أسرة مكونة من 3 أفراد إلى 250 دولاراً أميركياً لشراء ملابس العيد، ناهيك عن الحلويات وضيافة العيد بعد المصاريف الكبيرة خلال شهر رمضان.
ويؤكد خالد المحمد (42 عاماً)، الذي يعمل في البناء أنه “أنفق 100 دولار لشراء ملابس العيد لطفليه دون أن يشتري لهم أحذية، رغم أن دخله الشهري لا يتجاوز 200 دولار”، ويوضح في تصريحات لـ”963+”، أن “هذا الحال ينطبق على غالبية العمال في سوريا الذين لا يملكون المال الكافي لشراء جميع حاجيات العيد”.
ضعف الرواتب الحكومية
ويبين سالم العبيد، وهو أحد الموظفين في مؤسسة الاتصالات بحلب، أن “الرواتب الحكومية لا تكفي لأسبوع على أكثر تقدير”، ويصرح لموقع “963+”، أنه “تم منحهم إجازات مأجورة لمدة ثلاثة أشهر شملت أكثر من 200 موظف في المؤسسة”.
ويقول: “لدي طفل وطفلة ونحن على أبواب العيد ولا أملك سوى 400 ألف ليرة سورية (نحو 40 دولاراً أميركياً)، نضطر للاستدانة من أصدقاء أو معارف لتأمين المعيشة وشراء الحاجيات، لكن هذا ليس حلاً على الحكومة الجديدة أن تنظر في أمرنا بشكل عاجل”.
اقرأ أيضاً: أسعار الضيافة في دمشق – 963+
إقبال جيد في دمشق
يؤكد أحمد علي (49 عاماً)، وهو صاحب أحد محلات الألبسة بسوق الصالحية بالعاصمة دمشق لـ”963+”، أن “الأسعار رغم ارتفاعها إلا أنها مقبولة، والإقبال جيد على شراء ملابس العيد رغم الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة لأغلب السكان”.
وسجلت أسعار ضيافة العيد في دمشق ارتفاعاً نسبياً في أغلب الأسواق، حيث تراوح سعر الشوكولاتة بين 75 و 750 ألف ليرة بحسب جودتها، فيما تراوح سعر السكاكر بين 50 و 100 ألف، والراحة والمعمول بين 150 و 400 ألف، فيما سجلت الكليجة بين 75 و 150 ألف ليرة.
أسعار مرتفعة بدرعا والقنيطرة
ويوضح مهيب الرفاعي، وهو أحد أصحاب محلات الألبسة بمدينة درعا جنوبي البلاد لـ”963+”، أن أسعار ملابس العيد للأطفال في أسواق درعا والقنيطرة تتراوح بين 350 إلى 400 ألف ليرة (35 إلى 40 دولاراً أميركياً)، فيما بلغ سعرها العام الماضي بين 250 إلى 300 ألف (17 دولاراً قياساً بسعر الصرف حينها).
وترى إسراء الخبي، وهي صيدلانية في ريف درعا الغربي، أن “صناعة الحلويات في المنزل أصبحت أقل كلفة من شرائها جاهزة من الأسواق”، وتقول: “كيلو الحلويات من النوع الأول يتراوح سعره بين 280 إلى 350 ألف ليرة، بينما الحلوى العادية المصنوعة من السمن النباتي يتراوح سعرها بين 50 إلى 100 ألف، فيما يبلغ سعر الحلويات الناشفة بالسمن العربي مثل البرازق 200 ألف ليرة”.
وتتابع: “نحن نصنع الحلوى بالسمن الحيواني كونه يتوفر في مناطقنا بريف درعا الغربي، لذلك لا نحتاج إلى شراء الحلويات الجاهزة التي يحتوي بعضها على مواد غير صحية”.
بدوره، يؤكد فخري اليتيم، وهو من سكان قرية القحطانية بريف القنيطرة الأوسط، أن “الاحتلال الإسرائيلي يعكر على السكان فرحة العيد، في ظل هجماته وقصفه وتوغلاته المتكررة”.
يقول لـ”963+”: “كلنا يحب العيد لكن هناك خوف من حدوث شيء في أي لحظة، رغم تمسك الناس بعاداتها وتقاليدها واحتفالها بالعيد”.
وكانت الأمم المتحدة قد قالت في وقت سابق، إن ” 16.5 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية وأكثر من 90% من الشعب السوري يقعون تحت خط الفقر”.
اقرأ أيضاً: وزير الاقتصاد يبحث مع وفد أوروبي رفع العقوبات عن سوريا – 963+
في أسواق دير الزور والحسكة شمال شرقي البلاد، تتعالى أصوات الباعة وهم يعرضون مختلف أنواع الحلويات وملابس العيد، لكن العائلات التي تنتظر العيد تجد نفسها أمام واقع مرير في ظل ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية وتدني مستوى المعيشة.
يقول أبو محمد (43 عاماً)، وهو موظف حكومي في مدينة دير الزور، إن “الاستعدادات لهذا العيد تختلف كثيراً عن السنوات السابقة، في ظل عدم القدرة على شراء الحاجيات الأساسية من الملابس والحلويات التي ارتفعت أسعارها أيضاً خاصةً بعد عودة بعض المغتربين بعد سقوط النظام”.
حاجة ماسة للدعم
ويضيف في تصريحات لـ”963+”: “أتمنى أن أتمكن من شراء ملابس لأطفالي، لكن الظروف الاقتصادية تجعل ذلك صعبًا، أعتقد أنه يجب على الحكومة التدخل وتنظيم الأسواق، هناك حاجة للرقابة على الأسعار وتوفير الدعم للأسر ذات الدخل المحدود”.
“الزبائن يشعرون بالإحباط، الكثير منهم يأتون إلى المتجر وينظرون إلى الأسعار ثم يغادرون دون شراء أي شيء”، هكذا يشرح أبو سعيد (50 عاماً)، وهو صاحب محل حلويات بمدينة دير الزور، حركة البيع في المدينة، ويقول لـ”963+”: “نحاول تقديم أسعار معقولة لكننا نواجه ضغوطات من الموردين، أتمنى أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية وأن يعود الناس للاحتفال بالعيد كما في السابق”.
تؤكد أم علي (36 عاماً)، وهي ربة منزل من مدينة الحسكة، أن “استعدادات العيد لهذا العام لم تكن كما تتمنى، في ظل صعوبة شراء الحاجيات الأساسية”، وتقول لـ”963+”: “العيد هو وقت للفرح، خاصةً أنه العيد الأول بدون الأجهزة الأمنية التابعة لنظام بشار الأسد، لكن الوضع الاقتصادي يشعرك بالإحباط”.
يشعر أحمد الجواد، وهو طالب جامعي في مدينة الحسكة بالقلق حيال المستقبل في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تصعّب التركيز على التحصيل الدراسي”، يشير في تصريحات لـ”963+”، إلى أنه “لا يستطيع تأمين احتياجات العيد الذي هو وقت للتواصل مع العائلة والأصدقاء”.
وكان الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرش، قد قال الأسبوع الماضي إن الاقتصاد في سوريا خسر 800 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي خلال 14 عاماً من الحرب، وترافق ذلك بتدمير البنية التحتية للخدمات الحيوية الرئيسية بالبلاد.
ودعا غوتيريش، المجتمع الدولي إلى التحرك عاجلاً للاستثمار في سوريا ودعم تعافيها، من خلال توسيع الدعم الإنساني وإزالة العقوبات والقيود الأخرى المفروضة على اقتصاد البلاد، مؤكداً على ضرورة دعم الجهود الدولية المبذولة لضمان انتقال سياسي شامل في سوريا، والعمل على إنشاء مؤسسات تخدم جميع المواطنين وتحميهم.
واعتبر، أن ما تمر به سوريا “لحظة فاصلة” حيث يقف الشعب السوري على أعتاب فرصة تاريخية لتحقيق تطلعاته نحو مستقبل سلمي ومزدهر وشامل، مشيراً إلى أن أكثر من ثلثي السكان في سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، مما يجعل الأزمة الإنسانية من أكبر الأزمات الإنسانية بالعالم.










