في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الانتقالية في سوريا لاستعادة مكانتها الدولية، يأتي التحذير الأميركي الأخير بخصوص منع المواطنين الأميركيين من السفر إلى سوريا ليعكس تعقيدات المشهد السياسي والأمني. فيبدو أن التحذير وفق مراقبين يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز المخاطر الميدانية، ليُستخدم كأداة ضغط جديدة تمارسها واشنطن على دمشق.
في 18 نيسان/أبريل الجاري، حذّرت وزارة الخارجية الأميركية، مواطنيها من السفر إلى سوريا، قائلة في بيان عبر منصة إكس إن ‘‘هناك معلومات موثوقة تتعلق بهجمات وشيكة محتملة، بما في ذلك مواقع يرتادها السياح والسفارات والمنشآت العامة’’. وذكرت أن التحذير من المستوى الرابع ويعني ‘‘ممنوع السفر’’.
وفي ذات السياق، منعت وزارة الخارجية البريطانية السفر إلى سوريا بسبب الصراع وانعدام الأمن، ودعت رعاياها للمغادرة فوراً، محذّرة من تعليق الدعم القنصلي في دمشق. خطوة يرى فيها مراقبون بأنها تعزز الضغوط الدولية على دمشق لمعالجة الفراغ الأمني. وجاءت التحذيرات الأميركية والبريطانية في وقت زار فيه وفد من الكونغرس العاصمة دمشق، في زيارة تعد الأولى لنواب أميركيين منذ سقوط النظام السوري المخلوع.
اقرأ أيضاً: واشنطن لا تعترف بحكومة الشرع وتغير الوضع القانوني لبعثة سوريا بالأمم المتحدة – 963+
رسالة ضغط سياسي
في تصريحات للعدد الثامن من صحيفة ‘‘963+’’، أوضح عضو الأمانة العامة للجان الديمقراطية السورية، المقيم في برلين، فاضل نوفل، أن التحذير الأميركي ليس إلاّ ضغط سياسي قد يتغير في لحظات مع سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتقلبة.
وأشار نوفل إلى أن الرسالة الأميركية واضحة، فهي تضغط باتجاه دفع دمشق لتنفيذ المطالب الأميركية، والهدف منها بحسب نوفل: ‘‘الوصول لتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل والسماح لواشنطن باستخدام الأراضي السورية لمحاربة تنظيم داعش في أي وقت’’.
وتزامن التحذير الأميركي مع زيارة وفد من الكونغرس لدمشق. وفي هذا السياق، عقّب المحلل السياسي السوري مصطفى رستم، للعدد الثامن لصحيفة ‘‘963+’’، بأن تزامن الحدثين هي ‘‘رسالة بأن هذه الوفود لا تعني شيئاً للحكومة الأميركية، وأن السياسة الأميركية تُرسم من قبل الإدارة، لا تُرسم من قبل الوفود’’.
اقرأ أيضاً: تحذيرات أميركية من مخطط إيراني في سوريا – 963+
فراغ أمني يُنذر بالخطر
وإعلان واشنطن عن وجود خطر في سوريا هو أمر طبيعي بحسب رستم، فالتحذير يعكس استمرار المخاوف الأميركية من الفراغ الأمني الذي خلّفه سقوط النظام السوري السابق، وتقلّد بعض قادة فصائل متطرفة ومقاتلين أجانب لمناصب عسكرية، ناهيك عن الانتهاكات المستمرة بحق المكونات السورية، وكل ذلك وفق المحلل السياسي ينذر بخطر حقيقي ويعزز حالة عدم الاستقرار.
وأضاف رستم، أن توقيت التحذيرات تأتي في لحظة حساسة جداً، خاصةً أن الولايات المتحدة بدأت بإعادة ترتيب أوراق المنطقة وملفاتها، مع بدء إدارة ترامب نشاطها الفعلي والمكثف لحلحلة الملفات العالقة، من غزة إلى لبنان والعراق وصولاً للملف الإيراني.
وتابع، أن ‘‘سقوط النظام السوري السابق أثّر بشكل مباشر على إيران، وأحدث تغيراً في الواقع الجيوسياسي بالمنطقة، لأن سوريا كانت تشكّل العمود الفقري للمليشيات الموجودة في الإقليم، وتمدّها بالدعم اللوجستي سواء من خلال الجغرافيا أو عبر تأمين الغطاء الآمن للمعابر البرية وطرق الإمداد، والأميركي يُدرك ذلك تماماً لذا يسعى لإنهاء هذا الملف في سياق إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية’’.
وإذا أرادت الإدارة الانتقالية في سوريا الاستمرار في الحكم والسلطة، عليها أن تعي توازنات المنطقة جيداً وتدرك طبيعة ما يجري من تحولات سياسية وأمنية، كما يجب أن تبتعد عن الإملاءات التركية ولا تُذعن لها بشكل أعمى، بل تمسك العصا من المنتصف وتتعامل بحكمة مع اللاعبين الدوليين والإقليميين، وفق رستم.
اقرأ أيضاً: نائبان في الكونغرس الأميركي يزوران سوريا – 963+
تداعيات على إعادة البناء
وحول تداعيات التحذير الأميركي، نوه المحلل السياسي السوري إلى أن استمرار التصنيف الرابع من شأنه ‘‘عرقلة جهود دمشق للحصول على اعتراف دولي كامل، ويؤخر دمج سوريا في محيطها العربي وتقديم الدعم الاقتصادي لها، وبالتالي يؤثر على جهود إعادة الإعمار ويقلل التحذير أيضاً من فرص عودة اللاجئين السوريين وملف رفع العقوبات’’.
فيما يؤكد نوفل أنه ‘‘لا تستطيع أي دولة في المنطقة التطبيع والتعاون الاقتصادي مع الإدارة الجديدة دون موافقة واشنطن وقبل رفعها العقوبات عن دمشق، وبالتالي التحذير الأميركي يهدد بإحجام الشركات الدولية عن الاستثمار في سوريا’’.
وفي ظل هذا المشهد السياسي والأمني المتشابك ووسط تطلعات دمشق لإعادة البناء، تقف سوريا على مفترق طرق. فالتحذيرات الأميركية والبريطانية ليست مجرد تنبيهات سفر، بل دعوة للحكومة الانتقالية في سوريا لتجاوز ماضيها نحو مستقبل يجمع شتات شعبها، كون التحدي ليس فقط في استعادة الأمن أو كسب الثقة الدولية.










