جدالية الحاضرة الدينية في الإطار الدستوري السوري قديمة، وستظل محل اختلاف كبير في ظل هيمنة تيار أصولي متشدد على مقاليد السلطة مرتدياً العباءة السياسية لتحقيق المزيد من السيطرة والمغالبة، وليس من قبيل بناء دولة وطنية محددة الملامح القومية.
يرسم الإعلان الدستوري ملامح فلسفة الفترة الانتقالية المؤقتة، والقواعد القانونية التي يتبناها نظام الحكم، تمهيدا لتحديد شكل الدولة وهويتها، ونظامها السياسي، ومحددات طبيعة العلاقة بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، واختصاصات السلطة العامة في إطار بناء سوريا الجديدة.
لا شك في أن هذا الإعلان أثار جدلاً كبيراً في ظل بقاء الكينونة الدينية محوراً في أركانه، تناقضاً مع المبادئ الأساسية للمواطنة، لا سيما في ما يخص قصر “دين رئيس الدولة على الإسلام”، مخالفاً بنده السادس الذي نص على أنه “لكل المواطنين نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات”، ومن ثم يمثل حرماناً للكثير من السوريين المنتمين للطوائف الدينية الأخرى، خاصة أن رئيس الدولة يحكم بوصفه موظفاً خاضعاً للمراقبة والمحاسبة، وليس بوصف انتمائه العقائدي والديني.
إن الاعتماد على اعتبار “الفقه الإسلامي” المصدر الرئيسي للتشريع، وليس الشريعة ومبادئها، يمنح القائمين على السلطة في سوريا تأويل القضايا وفق ما يتوافق مع مرجعيتها الفكرية (الأسس الفقهية والفكرية السائدة والتقليدية لجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام)، وتقديم الأحكام المستنبطة على يد فقهاء العصور السابقة بما يتلاءم أو يخدم مصلحة السلطة المطلقة، وليس الإطار العام للدولة الوطنية المدنية من دون النظر إلى تفسيرات مقاصد الشريعة ذاتها، كبديل عن مصطلح “الأحكام الفقهية”، للتأكيد على الجانب الحيوي العابر للمجتمعات من الإرث الثقافي الإسلامي في ظل تنوع المكون السوري، مع عدم وجود ضمانات حقيقية وكافية لمختلف أبناء الأقليات الدينية من المسيحيين والدروز والإسماعيليين، في ممارسة حقوقهم وشعائرهم خاصة بعد واقعة الاعتداء على منتسبي الطائفة العلوية في منطقة الساحل.
ربما يقل الاختلاف حول تحديد “هوية الدولة” وطابعها الاعتقادي والثقافي نزولاً على توافق الغالبية العظمى للشعب السوري في النطاق الدستوري، مقارنة بالإصرار على تحديد “ديانة رئيس الدولة” باعتباره موظفاً عاماً في إطار النظام المدني، مشمولاً بصلاحيات تطبيق الاستحقاقات القانونية والسياسية محلياً وعالمياً.
أرجعت غالبية الدساتير العربية هوية الدولة إلى الشريعة الإسلامية، باستثناء الدساتير السورية تاريخياً، والتي اشترطت جميعها أن يكون الإسلام “دين رئيس الدولة”، ابتداءً من دستور 1920 الذي صاغته لجنة مُختصّة تحت الانتداب الفرنسي، وأقره البرلمان، وجاءت مادته الأولى: “حكومة ملكية مدنية نيابية، عاصمتها دمشق، ودين ملكها الإسلام”، من دون أن يجعل الشريعة الإسلامية أو الفقه الإسلامي مصدراً أو أحد مصادر التشريع، خروجاً من جدالية الاعتراض على أنها “دولة إسلامية” في مقابل أنها “دولة لا دينية”، ونزولاً على التفسير والتأصيل الشرعي وليس السياسي للشيخ رشيد رضا رئيس البرلمان حينها، من أن “دولة لا دينية”، سترسخ لمفاهيم أنها “حكومة كفر وتعطيل، لا تتقيد بحلال ولا بحرام، ومن لوازم ذلك أنها غير شرعية، فلا تجب طاعتها و لا إقرارها، بل يجب إسقاطها”.
برزت سمات الدين في دستور 1950، والذي أقر في مقدمته: “ولما كانت غالبية الشعب تدين بالإسلام، فإن الدولة تعلن تمسكها بالإسلام ومُثله العليا”، وجاء في مادته الثالثة أن “دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الأساسي للتشريع”.
وهو الدستور الذي لعب المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين مصطفى السباعي دوراً في صياغته بحكم عضويته في الجمعية التأسيسية، واقتراحه لتهدئة الخلاف الدائر حينها باستبدال عبارة “الإسلام دين الدولة”، بأن “الإسلام دين رئيس الدولة”، قفزاً على المشهد ومنعاً من وصول أي من أبناء الأقليات الأخرى لمنصب رئيس الدولة، وليس خروجاً من الأزمة، لاسيما أن الإسلام هو دين للدولة بحكم الأغلبية المسلمة، ما يوضح حقيقة دعوات جماعة الإخوان خلال المرحلة الماضية ومطالبتها باعتماده دستوراً للمرحلة الانتقالية المؤقتة.
ستلعب فقرة “المرجعية الفقهية”، وفقرة “ديانة الرئيس” دوراً محورياً في تفاقم ثنائية الدين والدولة، في ظل منح الرئيس صلاحيات فوقية واسعة دستورياً وسيطرته على السلطات التنفيذية للدولة خلال المرحلة الانتقالية، ما يعزز تزايد هيمنة النظام السياسي الحاكم، وفرض سطوته أيديولوجياً، لاسيما أن الأجندة السياسية للسيد أحمد الشرع لم ولن تنفصل عن الأجندة الفكرية لـ”أبو محمد الجولاني” ومشروع “هيئة تحرير الشام” رغم العباءة السياسية الفضفاضة التي يلتحف بها حالياً.
سجال الدين وعلاقته بالدولة في النطاق السوري محاط بالحذر في ظل استمرار توظيف التابوهات الدينية في الصراع السياسي، وعدم وجود توافقات فوق دستورية تؤسس لصياغة دستور يضمن تحقيق سياسات عامة غير تمييزية، مع التخوف من التلاعب وتحريف مضامين “النص الدستوري”، اعتماداً على ثغراته في محاولة لتبديد مصالح وحقوق بقية المكونات الدينية، عبر ديباجة “حرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام”، و”الطوائف الدينية مصونة ومرعية”.
التكريس الديني في عملية صياغة الدستور تطيح بحقوق الأقليات في إطار تحويل عباراته إلى سيف مسلط دستورياً على رقاب أبناء الطوائف الدينية، ما يدفع بهم لا محالة إلى نفق “التمرد” على السلطة الحاكمة، أو الانعزالية بعيداً عن مآربها وهيمنتها، ومن ثم تعزيز الانقسامات وتفكيك الجبهة الداخلية وإعاقة الدمج الوطني مستقبلاً.
نشرت هذه المادة في العدد الثالث من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 21 آذار/مارس 2025.
لتحميل كامل العدد الثالث من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










