ظهرت بوادر تحول وصف بالإيجابي في العلاقات السورية-الصينية في الفترة الأخيرة، توّجت بزيارة وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية أسعد الشيباني إلى بكين. هذه الزيارة لا تحمل طابعاً سياسياً عابراً، بل هي مؤشر قوي على تحول وشيك في بوصلة الاقتصاد السوري المتعب، حيث يتطلع إلى العملاق الآسيوي كشريك رئيسي في إعادة الإعمار، وتمويل المشاريع، وضخ البضائع، هذه الزيارة، التي حملت في طياتها أولوية الشق الاقتصادي، لتفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حول مستقبل التعاون الاقتصادي وحجم التبادل التجاري، وتأثير البضائع الصينية على السوق السورية المحلية، السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف شكلت خارطة الطريق للعلاقات الاقتصادية، وهل نحن على أعتاب موجة جديدة من المنتجات الصينية تغرق الأسواق المحلية؟
البحث عن التمويل والإعمار
تتجه الأولوية الاقتصادية للجانبين في هذه المرحلة نحو حاجة سوريا إلى تمويل عاجل ومشروعات تنفيذية في ظل واقعها الاقتصادي المتردي بعد سنوات من الحرب وسقوط النظام السابق، بينما تسعى الصين إلى ضمانات سياسية واستقرار مؤسسي يحمي مصالحها الاستثمارية.
ويبين الأكاديمي خالد الحاج في تصريحات لـ”963+” كيف أن الصين ستكون شريكاً أساسياً في إعادة الإعمار، حيث تبرز كلاعب رئيسي يمكن أن يكسب مكاسب اقتصادية وجيوسياسية مهمة، لا سيما في “مبادرة الحزام والطريق” ويُعزز الموقع الاستراتيجي لسوريا في شرق المتوسط من أهميتها بالنسبة لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وتوقيع اتفاقيات تعاون في هذا الإطار يدل على الرغبة المشتركة في تفعيل هذا المسار.
ويضيف: قد تساهم الصين في دعم الاقتصاد السوري والأنباء عن توقيع اتفاقيات لاستثمار الصين في تطوير المناطق الحرة السورية (مثل حسياء وعدرا) يشير إلى نية واضحة لزيادة التبادل التجاري وتنشيط حركة الاستثمار والتصنيع المشترك، وفي حال تحقق الاستثمار الصيني في المناطق الحرة، قد يؤدي ذلك إلى إنشاء مشاريع تجميع وتصنيع للبضائع الصينية داخل سوريا، مما يسهل ويُخفض من تكلفة وصول هذه المنتجات إلى السوق.
اقرأ أيضاً: المشهد السوري يطرح سؤالاً: هل يسبق الاستثمار السياحي إعادة الإعمار؟ – 963+
ولكن، بحسب الحاج، هناك تحديات أمام هذه الشراكة، أبرزها: المنافسة على النفوذ، ويجب على سوريا أن توازن بين الشراكة مع الصين وبين مصالح الدول الإقليمية والدولية الأخرى المتنافسة على النفوذ الاقتصادي والسياسي في المنطقة، وكذلك وجود المخاطر الأمنية والسياسية، فرغم التغيرات، تبقى البيئة الاستثمارية في سوريا محفوفة بالمخاطر مقارنة بأسواق أكثر استقراراً في المنطقة.
ويضيف: “الاستقرار الأمني والسياسي هو شرط أساسي لتدفق الاستثمارات الصينية الاستراتيجية، وأي عدم يقين في هذا الصدد قد يؤدي إلى تأجيل أو تباطؤ المشاريع، وأيضاً التشريعات والضمانات، حيث يتردد المستثمرون الصينيون في ضخ أموالهم في بيئة لا تتوفر فيها بعد تشريعات واضحة تحمي استثماراتهم، وتفتقر إلى قوانين صارمة منظمة ومحفزة، والخطر الأكبر هو المنافسة الشرسة من المنتج الصيني الرخيص ويمكن أن تؤدي إلى توقف بعض المعامل عن العمل أو تخفيض إنتاجها، لا سيما تلك التي لم تستطع الصمود سابقاً أمام فتح الأسواق، وهنا الحماية مطلوبة ويصبح من الضروري على الحكومة السورية أن توازن بين حاجة السوق للاستيراد الرخيص وبين حماية المنتج الوطني عبر مراجعة الرسوم الجمركية وتقديم تسهيلات لتخفيض عناصر التكلفة العالية على الصناعي السوري، والشراكة ضرورية وليست خياراً، فدمشق تحتاج إلى بكين لتجاوز عنق الزجاجة المالي وبدء عجلة النمو، والمقابل هو سوق مفتوحة ومشاريع تذهب في غالبيتها للشركات الصينية، فالعلاقات الاقتصادية المقبلة ستكون قائمة على المشاريع الكبرى والتسهيلات التجارية المتبادلة، وستؤدي حتماً إلى هيمنة المنتجات الصينية على المشهد الاستهلاكي.
ويشير إلى أن التحدي القادم ليس في منع هذا “المدّ” الصيني، بل في إدارته بذكاء لضمان أن تتحول هذه الشراكة من مجرد استيراد استهلاكي إلى شراكة منتجة تساهم في نقل التكنولوجيا وبناء القدرات السورية، وتحقيق مبدأ “تبادل المنفعة” الحقيقي.
ضمانات للاستثمار الصيني
المحلل السياسي نجم العبدالله يؤكد في تصريحات لـ”963+” تلازم المسارين السياسي والاقتصادي في العلاقات الدولية، فعلى الرغم من أن مبادرة “الحزام والطريق” هي مبادرة اقتصادية في جوهرها، إلا أن الصين تدرك جيداً أن الاستقرار الأمني هو الشرط الأساسي لنجاح أي استثمار ضخم.
ويضيف: من المتوقع أن تشمل أجندة التعاون الثنائي بين سوريا وبكين، وبشكل متزايد، ملفات أمنية واستخباراتية هامة ـ خاصة وأن رئيس جهاز المخابرات السورية يرافق الشيباني في زيارته الصين ـ أي أن “مكافحة الإرهاب” هو التحدي المشترك حيث تعتبر الصين الأمن الإقليمي، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، مرتبطاً بأمنها الداخلي بشكل مباشر، لأسباب أهمها: الأويغور في سوريا، وأحد أهم دوافع الصين لتعزيز التعاون الأمني هو قلقها المتزايد من وجود مقاتلين ينتمون إلى أقلية الأويغور (حزب تركستان الإسلامي) في شمال غرب سوريا، خاصة في إدلب، وتعتبر بكين هؤلاء المقاتلين تهديداً مباشراً لأمنها القومي، ويمكن أن يشمل التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية حول تحركات الجماعات المتطرفة، إضافة إلى تدريب الكوادر الأمنية السورية على أساليب مكافحة الإرهاب الحديثة، خصوصاً في مجال أمن الحدود ومكافحة التمويل.
ويتابع: مع تزايد الاستثمارات الصينية المحتملة في الموانئ، والمناطق الصناعية، وخطوط السكك الحديدية (ضمن الحزام والطريق)، يصبح أمن هذه المنشآت أولوية قصوى وستحرص الصين على الحصول على ضمانات قوية لحماية موظفيها ومهندسيها وأصولها الاستثمارية من أي هجمات أو أعمال تخريب، وهذا قد يتطلب تشكيل وحدات أمنية مشتركة أو تقديم مساعدة تقنية وأمنية لحماية المواقع.
ومن المرجح بحسب العبدالله، أن يشمل التعاون تقديم الصين لخبراتها في مجال التكنولوجيا والمراقبة الرقمية لتعزيز قدرات الحكومة الجديدة على السيطرة الداخلية وتأمين شبكات الاتصالات والبنية التحتية الحساسة.
ويرى العبدالله أن التعاون الأمني يلعب أيضاً دوراً في المشهد الجيوسياسي الأوسع، فدخول الصين كشريك أمني واقتصادي رئيسي يضيف ثقلاً جديداً للمشهد السوري، ويساعد الحكومة الجديدة على موازنة النفوذ الروسي من جهة، ومواجهة الضغوط الأمريكية والغربية من جهة أخرى، والتعاون الأمني بين سوريا والصين ليس غاية في حد ذاته لبكين، بل هو أداة ضرورية لحماية استثماراتها وضمان استقرار الطريق التجاري، سيزيد هذا التعاون من قدرات دمشق الأمنية والتقنية، لكنه سيزيد أيضاً من الارتباط الاستراتيجي لها ببكين في قلب منطقة مضطربة.
اقرأ أيضاً: قانون الأموال المنسي: هل يحمي جيوب السوريين في زمن البتكوين؟ – 963+
كيف ستكون العلاقات الاقتصادية والتبادل التجاري؟
الخبير الاقتصادي محمود الحسن يقول في تصريحات لـ”963+”: لطالما حافظت الصين على علاقات قوية مع سوريا، خاصة خلال سنوات الأزمة، لكن حجم التعاون بقي دون الطموح مقارنة بحجم الدور الذي يمكن أن تلعبه بكين.
ويضيف: اليوم، ومع توجه دمشق نحو الشرق وسياسة “الانفتاح الاقتصادي”، يبدو أن الصين مستعدة للانخراط بعمق أكبر، لكن وفق شروط اقتصادية صارمة ومدروسة تضمن مصالحها “إعادة الإعمار والبنية التحتية: التمويل مقابل المشاريع” إن الهدف الأول والأكثر إلحاحاً للجانب السوري هو تأمين التمويل اللازم لمشاريع إعادة الإعمار، وتقديرات الأضرار تتجاوز مئات المليارات، ورأس المال الغربي لا يزال محجوباً بسبب العقوبات، هنا، تبرز الصين كشريك مثالي لثلاثة أسباب: أولها القدرة التمويلية الهائلة، فالصين لديها بنوك تنموية ضخمة مثل بنك التنمية الصيني (CDB) والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB)، وهي قادرة على تقديم قروض ضخمة، غالباً ما تكون مرتبطة بتنفيذ شركات صينية للمشاريع.
والهدف الثاني بحسب الحسن، تجربة “طريق الحرير” فسوريا هي بوابة جغرافية مهمة للمبادرة الصينية، خاصة في ربط المشرق العربي بالبحر الأبيض المتوسط، الزيارة تسعى لوضع اللبنات الأولى لضم سوريا بشكل فعال للمبادرة، ما يعني استثمارات ضخمة في الموانئ والسكك الحديدية والطاقة.
بينما الهدف الثالث، فهو التركيز على الطاقة والبنية التحتية، فمن المتوقع أن يتم توقيع مذكرات تفاهم تركز على قطاع الطاقة (توليد الكهرباء ومشاريع الطاقة المتجددة) وقطاع النقل والاتصالات، فالشركات الصينية تجلب معها تكنولوجيا حديثة وسريعة التنفيذ في هذه المجالات.
ويشير الحسن إلى أن العلاقات الاقتصادية ستشهد على الأغلب تضخماً كبيراً في حجم التبادل التجاري لصالح الصين، فالسوق السورية في أمس الحاجة للآلات والمعدات اللازمة لإعادة تشغيل المصانع المدمرة، وهذا يفتح الباب أمام استيراد خطوط الإنتاج، وبدلاً من استيراد المنتج النهائي، قد تسعى دمشق إلى استيراد الآلات الصينية عالية الجودة وبتكلفة معقولة لإعادة تأهيل المصانع السورية، ما يشكل أساساً للنهوض الصناعي المحلي، ومن المتوقع أن تهيمن شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة (مثل هواوي) على قطاع الاتصالات والبنى التحتية الرقمية، خاصة مع توجه الحكومة السورية نحو الرقمنة.
بالمقابل يؤكد الحسن وجود صعوبات قائمة بالرغم من التفاؤل تظل العلاقة الاقتصادية محفوفة بالتحديات، أبرزها: العقوبات الأميركية، فالشركات الصينية الكبرى حذرة من الوقوع تحت طائلة العقوبات الثانوية، لذا غالباً ما ستتم التعاملات عبر شركات وساطة أو بنوك أصغر، ما يزيد من كلفة التبادل، وهناك مشكلة آلية السداد بسبب شح العملة الصعبة في دمشق، قد تضطر سوريا إلى اللجوء لآليات سداد غير تقليدية، مثل مقايضة السلع، أو زيادة التداول باليوان الصيني، أو الاعتماد على قروض طويلة الأجل باليوان، ما يعزز نفوذ العملة الصينية في المنطقة.
هل ستشهد السوق السورية إقبالاً أكبر من البضائع الصينية؟
بسام الطعمة “عضو غرفة تجارة” في تصريحات لـ”963+” يقول: إن السوق السورية اليوم هي سوق استهلاكية متعطشة ومهيمنة عليها البضائع المستوردة من دول الجوار (تركيا والعراق ولبنان) وإيران”سابقاً”، وزيارة الشيباني للصين كانت بمثابة تسونامي تجاري يغير هذه الهيمنة لصالح البضائع القادمة من “مصنع العالم”، والإجابة على السؤال هي: نعم، بكل تأكيد، فالموجة الأولى، هي المنتجات ذات القيمة المضافة والجودة المتوسطة.
فالمنتج الصيني لم يعد مرادفاً للجودة المنخفضة فقط، الاقتصاد الصيني تطور ليصبح منتجاً لسلع ذات جودة متوسطة وعالية بأسعار تنافسية يصعب على أي دولة أخرى مجاراتها، ولطالما كانت البضائع الصينية، وخاصة الاستهلاكية والمنزلية، هي الخيار الأول للطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود في سوريا بسبب أسعارها المنخفضة التي تناسب الدخل المحدود، وتتميز المنتجات الصينية بالتنوع الهائل في الأصناف والألوان، وتلبي مختلف الاحتياجات، مما يجعلها تستحوذ على المستهلك السوري الباحث عن المنتج المقبول بالسعر الأنسب وستشهد السوق تدفقاً كبيراً للهواتف الذكية، وشاشات التلفزيون الصينية.
ويضيف: هذه المنتجات ستقدم بديلاً أرخص وأكثر حداثة للمنتجات الأوروبية أو الكورية المرتفعة الثمن، وسيتم ضخ كميات كبيرة من قطع غيار السيارات والآلات الصناعية الصينية، مما يخفض تكلفة الصيانة والتشغيل للمشاريع المحلية، وأيضاً رغم وجود صناعة نسيج سورية العريقة، لكن البضائع الصينية ستشكل منافساً قوياً في سوق الملابس والأحذية السريعة (Fast Fashion) بأسعار لا تقبل المنافسة.
ويوضح طعمة أن المنافسون الرئيسيون في السوق السورية بشكل سيتأثرون مباشر بهذا الانفتاح الصيني، فقد كانت تركيا المزود الرئيسي للملابس والأغذية والمواد المنزلية، والمنتج الصيني يوفر جودة مماثلة أو قريبة بسعر أقل، ما سيجبر التجار الأتراك على تخفيض هوامش، ورغم الدعم السياسي “السابق” إلا أن، البضائع الإيرانية لم تسيطر على السوق بشكل كامل، والصين ستنافس إيران بقوة في قطاعات الطاقة ومواد البناء، حيث تتمتع الصين بتكنولوجيا أكثر تقدماً وأسعار أكثر جاذبية.
ويحذر طعمة من أن الصناعة المحلية أمامها (تهديد وفرصة)، حيث يشكل تدفق البضائع الصينية تهديداً للمنتجات المحلية التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الإنتاج (طاقة، جمارك)، لكنه في الوقت ذاته يمثل فرصة لاقتناء الآلات وخطوط الإنتاج الحديثة لرفع كفاءة الصناعة السورية، كما أن الزيادة الهائلة في حجم الواردات الصينية ستضع السلطات السورية أمام تحدٍ كبير في مراقبة الجودة والمنشأ، لضمان عدم تحول السوق إلى مكب للسلع الرديئة، تحتاج الحكومة السورية إلى تفعيل مؤسسات المواصفات والمقاييس، لضمان مطابقة البضائع الصينية للمواصفات السورية وتجنب الأضرار الصحية أو البيئية، وتسهيل الاستيراد الرسمي مقابل التهريب، حيث يجب على الإجراءات الرسمية أن تكون أسرع وأقل تكلفة من التهريب لضمان دخول البضائع عبر القنوات القانونية وتحصيل الرسوم الجمركية.










