أطلقت الولايات المتحدة هذا الأسبوع مبادرةً ديبلوماسيةً تستهدف شطب اسمي الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ووزير داخليته أنس خطاب من قوائم العقوبات الدولية عبر مشروعِ قرارٍ وُزع على أعضاء مجلس الأمن الدولي كخطوةٍ تمهيديةٍ لإعادة النظر في قيودٍ فُرضت منذ أعوامٍ على المستوى الدولي. وتهدف واشنطن بحسب تقارير إلى فك بعض العزلات المالية والسياسية عن دمشق كجزءٍ من مسارٍ أوسعاً لإشراك الجهات الدولية في ملفات إعادة الإعمار والحد من التصعيد الإقليمي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الخطوة قد تُحدث تحولاً تدريجياً في حركة الأموال داخل سوريا وخارجها، إذ يمكن أن تُعيد ربط الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي وتفتح الباب أمام تدفقاتٍ استثماريةٍ وقروضٍ تنمويةٍ من مؤسساتٍ دوليةٍ، فيما يحذر آخرون من مخاطر محتملةٍ في غياب آليات رقابةٍ صارمةٍ على عمليات التحويل المالي وإدارة الموارد.
ويأتي هذا التطور في سياق سياسي واقتصادي معقداً يتقاطع مع المفاوضات الدائرة حول إلغاء قانون قيصر ومع التحركات الأميركية لتخفيف الضغط عن الاقتصاد السوري تمهيداً لإعادة إدماجه جزئياً في المنظومة الدولية. وفي هذا الإطار تبرز تساؤلات حول دوافع واشنطن ومدى استعداد الأطراف الدولية للانخراط في مرحلةٍ جديدةٍ من الانفتاح المالي على سوريا.
وفي السياق، رفعت الحكومة البريطانية، “هيئة تحرير الشام” من قائمة التنظيمات “الإرهابية” المحظورة. وجاء في بيان صادر عن وزارتي الداخلية والخارجية البريطانيتين أن القرار يهدف إلى دعم أولويات بريطانيا في السياسات الخارجية والداخلية. وأوضحت أن من هذه الأولويات إقامة علاقات أوثق مع الحكومة السورية، ومكافحة الإرهاب وقضايا الهجرة، وتدمير الأسلحة الكيميائية.
بداية للانفتاح
يقول الدكتور أحمد الزين الكاتب والمحلل السياسي اللبناني لـ”963+” إن قرار رفع العقوبات عن أنس الخطاب وأحمد الشرع يُشكل بدايةً لتدفق الأموال الأجنبية إلى سوريا.
ويضيف الزين في تصريحٍ خاصٍ: “هذه الحركة هي دليلٌ على أن سوريا وُضعت على الخارطة الدولية لإعادة الإعمار”. وتابع موضحاً: “هذا التطور يتزامن مع وقف الأعمال الحربية في غزة وتنفيذ خطط ترامب حيث إن المرحلة الثانية من خطة ترامب هي سوريا”.
ويؤكد أن “الاستقرار هناك حاجة أساسية لإعادة الإعمار” مشيراً إلى أن “الشركات الصينية والأميركية والروسية سوف تشارك في عملية إعادة الإعمار”. ويلفت إلى أن “بداية هذه العملية تستلزم عودة الدور الاقتصادي للمصارف السورية الذي كان قد توقف بسبب فرض العقوبات”.
ويردف قائلاً: “الآن بدأ الاقتصاد العالمي ينفتح على سوريا وسوف نرى تدفقَ مساعداتٍ من البنك الدولي والدول الأوروبية وأميركا”. ويشدد على أن “هذه بدايةٌ لعودة سوريا إلى الساحة الدولية وعودة الحركة الاقتصادية فيها”.
ويوضح أنه “في حال بدأت هذه الخطوة فإن إدارة عمليات الحكومة السورية – التي تدير البلاد تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع – ستساهم في استعادة سوريا لبعض دورها الذي كانت تحظى به على الساحتين العربية والدولية”. ويشير إلى أن “مئات المليارات من الدولارات مطلوبةٌ لإعادة الإعمار وهذا يستلزم حركةً سياسيةً واقتصاديةً واجتماعيةً متكاملةً”.
ويختم بالقول: “سوف نرى ضخ الأموال في السوق السوري وعودة الحياة وهذا قد يكون عاملاً جاذباً للعديد من النازحين في الدول الأوروبية والعربية وعلى رأسهم لبنان للعودة إلى الدولة السورية لأن هذا سيوفر مئات الآلاف من فرص العمل للسوريين”.
من جهته يقول محمد فتوح الصحفي السوري المقيم في لندن لـ “963+” إن العقوبات الدولية المتعلقة بسوريا تنقسم إلى قسمين رئيسيين. ويوضح: “تنقسم العقوبات التي تتعلق بسوريا إلى قسمين؛ قسم يرتبط بدول وخصوصاً أميركا وأوروبا وقسم يتعلق بالأمم المتحدة عبر مجلس الأمن”.
ويضيف: “تم رفع غالبية العقوبات التي تندرج ضمن القسم الأول سواء ما يتعلق بعقوباتٍ على سوريا ككل أو بأشخاص كانوا مصنفين على قوائم الإرهاب بانتظار الإلغاء النهائي لقانون قيصر في الولايات المتحدة”.
ويتابع موضحاً: “أما القسم الثاني فهو يتعلق بأشخاص وتنظيمات بشكلٍ محددٍ على خلفية تصنيفهم ضمن قوائم الإرهاب وما يزال إلغاء تصنيف أشخاص مثل الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب محل مفاوضاتٍ بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن”.
ويردف قائلاً: “ويبدو أن هناك توجهاً لإلغاء تصنيف أشخاص تولوا مواقع المسؤولية في سوريا ولكن دون إلغاء تصنيف ‘هيئة تحرير الشام’ التي أُعلن عن حلها في سوريا أصلاً”. كما أشار إلى أنه “يجري الحديث عن تخفيف القيود الأممية على صادرات السلاح إلى سوريا لإعادة بناء جيشها”.
العقوبات: الأثر الأكبر
ويؤكد فتوح أن “التأثير الأكبر على سوريا هو ناتج عن العقوبات المرتبطة بأمريكا وأوروبا” موضحاً أن “هذه العقوبات كانت تمثل عبئاً على الاقتصاد السوري بشكلٍ حادٍ فتمنع الاستثمارات الأجنبية وتقيّد واردات السلع الأساسية والتكنولوجيا المتقدمة كما تحول دون ربط سوريا بالنظام المالي العالمي إلى جانب آثارٍ سلبيةٍ وكبيرةٍ أخرى”.
وعن عقوبات مجلس الأمن يقول فتوح: “عقوبات مجلس الأمن وبما أنها ترتبط بأشخاص بعينهم فإن تأثيرها يظل أقل بكثير من العقوبات الأمريكية والأوروبية”.
ويلفت إلى أن “بقاء عقوبات مجلس الأمن له جانبَان جانب رمزي يتعلق بالصورة السلبية التي يخلّفها تصنيف رئيس ووزير داخليته على قوائم الإرهاب وما يتركه ذلك من أثر نفسي سواء على السوريين أنفسهم وخصوصاً من المؤيدين للمرحلة الجديدة إضافة إلى اتخاذها كمدخل للهجوم على السلطة الجديدة من معارضيها أو على الفاعلين الخارجيين الراغبين بالانخراط بعلاقاتٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ مع سوريا ومسؤوليها”.
ويضيف: “وهناك جانب عملي يترتب على بقاء العقوبات الأممية ومن ذلك أنها تحد من قدرة الرئيس ووزير الداخلية على التحرك والسفر خارج سوريا”.
ويستشهد بقوله: “فكما هو معلوم فإن الشرع على سبيل المثال يحتاج لإذن خاص مسبق من مجلس الأمن في كل مرة يرغب فيها بمغادرة سوريا وهذا يشكل عبئاً إضافياً وقد يكون معرقلًا للتحرك بحريةٍ وبالسرعة المطلوبة أحياناً”.
إعادة الإعمار وبناء الثقة
وعن انعكاسات رفع العقوبات يوضح فتوح أنه “يُفترض أن ينعكس على الواقع الاقتصادي والمعيشي بشكلٍ عامٍ” مشيراً إلى أن ذلك يشمل “عودة سوريا للربط مع النظام المالي العالمي مع ما يعنيه ذلك من سهولة تدفق الأموال سواء من السوريين لعائلاتهم أو من قبل المستثمرين السوريين والأجانب أو المساعدات المباشرة من الدول والمنظمات”.
ويشدد على أن “إعادة الإعمار وتحسين الخدمات الأساسية (الطاقة المياه الصحة… إلخ) مرتبطة برفع العقوبات بشكلٍ كاملٍ وبالتحديد قانون قيصر الأميركي” موضحاً أن “بقاء القانون حتى مع تجميده حالياً لا يعطي المستثمرين الاطمئنان الكافي للاستثمار في سوريا فالتجميد يعني إمكانية عودة العقوبات في أي لحظةٍ”.
ويختم بالقول: “خطوة مجلس الشيوخ مهمةً. وبانتظار موافقة مجلس النواب أيضاً” مؤكداً أن “رفع العقوبات يُعيد الثقة بالاقتصاد السوري ويفتح الطريق أمام بناء اقتصادٍ طبيعيٍ وليكون منخرطاً بشكلٍ كاملٍ في الاقتصاد العالمي”.










