تعرض الكثير من أهالي محافظة دير الزور شرقي سوريا خلال السنوات الماضية لعمليات ابتزاز شملت منازلهم وممتلكاتهم الخاصة من قبل الفصائل الموالية لإيران، ما أجبرهم على بيعها بأسعار زهيدة خوفاً من المصادرة أو الاتهامات الباطلة، واليوم وبعد سقوط النظام المخلوع يسعى السكان لاستعادة حقوقهم من خلال مراجعة عمليات البيع القسري ورد الممتلكات إلى أصحابها الحقيقيين.
بيع تعسفي بوثائق رسمية
أحمد نويصر (50 عاماً) وهو من سكان مدينة الميادين بريف دير الزور الشرقي يقول: “في عام 2018، وبعد سيطرة المليشيات المدعومة من إيران على منطقتنا، بدأت المضايقات تجاهي لأنني رفضت تأجير منزلي الواقع في حي التمو بوسط المدينة. لقد هددوني بالسجن أو دفع مبالغ كبيرة إذا لم أتنازل عن منزلي. عرضوا عليَّ شراءه بـ 20 مليون ليرة سورية، بينما قيمته الحقيقية كانت أكثر من 70 مليوناً. رفضت في البداية، لكنهم عادوا بعد أيام مع مجموعة مسلحة.”
وأضاف في العدد السابع من صحيفة “963+”: “لم أستطع وقتها تقديم شكوى لأن المحاكم كانت تحت سيطرتهم، والقانون كان غائباً. حاولت اللجوء إلى بعض الشيوخ والعائلات الكبيرة للوساطة، لكن التهديدات تصاعدت، واضطررت للموافقة خوفاً على أولادي، لدي شهود ووثائق تثبت أن المنزل بيع تحت التهديد، بما في ذلك رسائل تهديد وتسجيلات صوتية. نريد استعادة حقوقنا لأن هذه الممتلكات هي كل ما نملكه بعد سنوات الحرب.”
ويروي حسين اللطيف (41 عاماً) من مدينة البوكمال على الحدود السورية – العراقية قصته في العدد ذاته من الصحيفة: “جاءني أحد القادة المحليين التابعين لإيران وقال لي إن منزلي مطلوب لأغراض عسكرية، وإنني إذا لم أتنازل عنه بسعر رمزي فسيتم مصادرته بالقوة. عرضوا عليَّ مبلغاً زهيداً لا يساوي ربع قيمته الحقيقية. رفضت، فقاموا بقطع الكهرباء والماء عن المنزل، ومنعوا أولادي من الذهاب إلى المدرسة بوضع حاجز على بداية الطريق المؤدي إليها. بدؤوا بممارسة مضايقات جعلتني أضطر للموافقة لأننا لم نعد نحتمل التهديدات”.
ويتابع، “حالياً يقطن في المنزل عائلة محلية من بلدتنا، وهي عائلة أحد عناصر الفصائل الإيرانية سابقاً، الذي فر إلى جهة مجهولة. يملكون وثائق ملكية، لكني أؤكد أنها حصلت تحت الإجبار والعنف. لدي وثائق تعود إلى أيام والدي، لكنهم أجبروني على توقيع قرار بيع أمام محامٍ تابع لهم، حتى أنهم هددوا الشهود. نحن لسنا الوحيدين، فهناك المئات في محافظة دير الزور”.
اقرأ أيضاً: بين الخوف والأمل.. السوريون يواجهون إرث الفصائل الإيرانية بعد سقوط النظام – 963+
ويتحدث عبد الحليم المحمد وهو من سكان ريف البوكمال عن معاناته التي استمرت لسنوات قائلاً: “كان منزلي مقراً لتنظيم داعش بسبب موقعه الاستراتيجي القريب من نهر الفرات. وبعد خروج التنظيم بدأ سماسرة المركز الثقافي الإيراني في البوكمال بابتزازي بشكل يومي لدفع ثمن بيع المنزل لصالح مركز الثقافة الإيراني. رفضت بالطبع، لكن مع مرور الأيام بدأت الدوريات بمضايقتي واتهامي بإطلاق الرصاص من منزلي باتجاه مقرات الفصائل الإيرانية”.
وطالب المحمد السلطات الحالية بفتح تحقيق حول ماجرى، مؤكداً أن منزله الذي باعه تحت التهديد تقيم به حالياً عائلة أحد السماسرة الذي اشتراه حيث يمتلكون عقد بيع وشراء ويرفضون الخروج منه.
شهادات ومكالمات صوتية
واتهم عمران المحمد بالتجسس لصالح “جهات معادية” ورصد تحركات الفصائل الإيرانية بعد رفضه بيع محله ومنزله الواقعان في وسط مدينة الميادين، لكن بعد تدخل أحد أقاربه الذي كان يعمل ضمن تلك الفصائل، “قام بإقناعي ببيع المنزل بمبلغ 40 مليون ليرة عن طريق مكتبه وبعقد نظامي، علماً أن المنزل تبلغ قيمته ضعفي المبلغ المباع”.
وأضاف في العدد السابع من الصحيفة: “بعد تشكيل حكومة جديدة وطرد الإيرانيين، لا يزال الشخص الذي اشترى المنزل، وهو قريب لي، يقيم فيه ويرفض الخروج. لدي أوراق رسمية ومكالمات صوتية مسجلة من تلك الفترة وشهادات من أقاربي. لقد بعتُ مجبراً ولست مخيراً”.
وبدأت الفصائل الموالية لإيران بالدخول للضفة الغربية من محافظة دير الزور أواخر عام 2017 تحت ذريعة مساندة قوات النظام السوري المخلوع آنذاك في الحرب ضد تنظيم “داعش”.
عبد الرحمن الفتاح، صاحب مزرعة نخيل في بلدة الجلاء بريف دير الزور يقول لـ”963+”: “كنت أملك بستان نخيل وأراضي زراعية، جاءني مسلحون تابعون لفيلق القدس الإيراني وقالوا إن الأرض مطلوبة لأغراض عسكرية، في ذلك الوقت، أي مقاومة كانت تعني الموت”.
اقرأ أيضاً: دير الزور.. إدارة العمليات العسكرية تواجه بقايا “الدفاع الوطني” والفصائل الإيرانية – 963+
ويؤكد على “الحاجة لتدخل منظمات دولية وحقوقية وإنشاء لجنة تحقيق من قبل الحكومة الحالية لاستعادة ممتلكاتنا، لأن بعض المسؤولين المحليين لا يزالون متواطئين. والكثير من الضحايا يخشون التحدث علناً خوفاً من الانتقام”.
مرحلة كارثية
قال الناشط المحلي أحمد الصالح للعدد السابع من صحيفة “963+”: “كانت الفترة السابقة كارثية على أهالي دير الزور، حيث فرضت المليشيات الإيرانية وحلفاؤها سيطرتهم عبر القوة والترهيب. استخدموا أساليب مختلفة للاستيلاء على المنازل، مثل تهديد الأهالي باتهامهم بالانتماء لتنظيمات معارضة، أو ابتزازهم عبر حجز أقاربهم. الكثيرون اضطروا لبيع منازلهم بأقل من نصف قيمتها الحقيقية خوفاً على حياتهم”.
وعملية الاستيلاء على المنازل والممتلكات الخاصة بحسب الصالح كانت تتم بعدة طرق منها “التهديد المباشر، حيث يأتي مسلحين ويخيرون صاحب المنزل بين البيع بثمن بخس أو المصادرة الكاملة، أو الابتزاز عبر تهم جاهزة مثل اتهام الشخص بالتعاون مع جهات معينة، مما يضطره للتنازل عن منزله مقابل إسقاط التهم. كما صادرت الفصائل الموالية لإيران عشرات المنازل بحجة أنها مقرات عسكرية مؤقتة، ثم رفضت إعادتها”.
ويشير الناشط المحلي إلى أن “الأهالي توجهوا بعد سقوط النظام المخلوع للمحاكم والجهات الإدارية الجديدة حيث قدموا مستندات الملكية، لكن العملية بالغة التعقيد بسبب عدم وجود سجلات رسمية دقيقة”.










