على مدى قرنٍ من الزمن، لم تكن الثقافة الكردية في سوريا مجرد تعبير عن هوية قومية داخل حدود جغرافية محددة، بل شكّلت أحد المكوّنات الأساسية للنسيج الثقافي السوري المتعدد القوميات واللغات. فقد نشأت هذه الثقافة داخل فضاء اجتماعي وتاريخي سوري واسع، وتفاعلت معه على مستويات اللغة، والعادات، والفنون، والذاكرة اليومية، ما أكسبها طابعًا خاصًا ميّزها عن التجارب الكردية في دول الجوار، دون أن تفقد ارتباطها العميق بجذورها القومية.
إن الحديث عن الثقافة الكردية في سوريا لا يمكن فصله عن فكرة التفاعل، لا بوصفه تمازجاً قسرياً أو ذوباناً في ثقافة سائدة، بل باعتباره عملية تاريخية طويلة من الأخذ والعطاء. فمن خلال هذا التفاعل، تشكّلت هوية ثقافية كردية ـ سورية مركّبة، قادرة على الاحتفاظ بخصوصيتها، وفي الوقت نفسه الإسهام الفعلي في إنتاج الثقافة السورية الحديثة.
لم يكن هذا التفاعل وليد لحظة سياسية أو ظرف استثنائي، بل نتاج تراكم تاريخي طويل، انعكس في الأدب والموسيقى واللغة والفنون والعمارة والمطبخ والعادات اليومية. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه التفاعلات إلى سردية ثقافية مشتركة، أعادت تعريف مفهوم الثقافة الوطنية بوصفها فضاءً تعددياً، لا يقوم على الإقصاء، بل على التنوّع بوصفه مصدر قوة.
اقرأ أيضاً: مرسوم رئاسي يعتمد اللغة الكردية لغة وطنية ومنح الجنسية لمكتومي القيد من أصول كردية – 963+
السياق التاريخي: التهميش بوصفه حافزاً للاستمرار
واجه الأكراد في سوريا، على مدى عقود طويلة، سياسات رسمية حدّت من حضورهم الثقافي، شملت منع التعليم باللغة الكردية، والتضييق على النشر، وحظر الاحتفالات العامة بالمناسبات الثقافية، وعلى رأسها عيد نوروز. غير أن هذه السياسات، بدل أن تؤدي إلى محو الثقافة الكردية، دفعتها إلى البحث عن مسارات بديلة للاستمرار، أبرزها الاعتماد على التراث الشفهي، والأغاني الشعبية، والحكايات المتوارثة داخل البيوت والقرى.
في المقابل، ظل التفاعل اليومي قائماً بين الكرد وبقية المكوّنات السورية في المدن المختلطة، والأسواق، وأماكن العمل، ما أوجد مساحة تلاقٍ ثقافي غير رسمي، لكنها شديدة العمق والتأثير. هذا التفاعل اليومي، البعيد عن الخطابات الرسمية، أسّس لثقافة مشتركة في تفاصيل الحياة، وأسهم في بناء وعي اجتماعي يتجاوز الحدود القومية الضيقة.
ومع التحولات التي شهدتها البلاد بعد عام 2011، شهدت الثقافة الكردية هامشاً أوسع للتعبير، تمثّل في تأسيس مراكز ثقافية، وعودة النشر بالكردية، وتنظيم فعاليات فنية وموسيقية، أعادت تقديم الثقافة الكردية بوصفها جزءاً حياً وفاعلاً من المشهد الثقافي السوري العام.
وأصدر الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الجمعة الماضية، المرسوم رقم (13) لعام 2026 المتضمن عدد من القرارات المتعلقة بالكرد السوريين.
واعتمد المرسوم اللغة الكردية كلغة وطنية تُدرس في المدارس مع إلغاء آثار إحصاء الحسكة 1962.
كما فتح باب منح الجنسية السورية لمكتومي القيد من أصول كردية، والتأكيد على أن الكرد مكوّن أصيل من الشعب السوري.
وأشار المرسوم الرئاسي إلى أن الدولة تكرّس حماية التنوّع الثقافي واللغوي رسمياً، مع اعتماد عيد “النوروز” كعطلة رسمية مدفوعة الأجر.
اقرأ أيضاً: الثقافة الرقمية وتحديات العصر – 963+
السرد الكردي داخل اللغة العربية
شكّل الأدب إحدى أبرز ساحات التفاعل بين الكرد والعرب في سوريا. فقد كتب عدد كبير من الأدباء الكرد باللغة العربية، لا بوصفها بديلاً عن لغتهم الأم، بل وسيلة للوصول إلى فضاء ثقافي أوسع، والمشاركة في صياغة الوعي الثقافي السوري. بهذا المعنى، لم تكن الكتابة بالعربية تخلياً عن الهوية، بل خياراً ثقافياً واعياً للتأثير والحوار.
فمثلاً سليم بركات كونه المخيال الكردي في المتن العربي، حيث انطلق من القامشلي ليؤسس تجربة فريدة في الأدب العربي الحديث. ورغم كتابته بالعربية، حملت نصوصه الأسطورة الكردية، والذاكرة الجمعية، وبيئة الجزيرة السورية، ما جعله يقدّم إضافة مزدوجة: توسيع أفق السرد العربي، وإدخال المخيال الكردي السوري إلى قلبه. لقد أعاد بركات تشكيل اللغة العربية نفسها، عبر ضخّ صور ورموز آتية من بيئة كانت تُعدّ هامشية في السرد المركزي، لكنها مركزية في بعدها الإنساني والوجودي.
كما برز الكاتب والمترجم جان دوست بوصفه أحد أهم الجسور بين الثقافتين الكردية والعربية، عبر كتابته باللغتين، وترجمته أعمالاً كلاسيكية من التراث الكردي، أبرزها ملحمة مم وزين. ويؤكد أن الأدب الكردي المكتوب بالعربية شكّل لوناً جديداً في المشهد الثقافي السوري، نقل البيئة الكردية في الجزيرة وكوباني وعفرين إلى القارئ العربي، وأسهم في إثراء الأدب المعاصر.
ويقول جان دوست في هذا السياق لـ”963+”: “يمكن ان نتحدث عن إضافة الثقافة العربية إلى الثقافة الكردية وليس الاضافة السورية فالثقافة العربية في إطارها العام أثرت في تكوين ثقافة كردية خاصة مطعمة بالمصطلحات الثقافة العربية، مطعمة بتأثيرات قادمة من الدين الاسلامي.
منها بعض المصطلحات والمفردات دخلت إلى القاموس الكردي واستعمل المثقفون الأكراد كثيراً منها في كتاباتهم منذ زمن قديم مثل ملاي جزيري واحمد خاني وغيرهما اللذين استعملوا مصطلحات في التصوف وفي الفلسفة وحتى في علم الفلك وفي علم الفقه وطعموا اللغة الكردية بها وإضافة الى التأثير الواضح للشعر العربي الكلاسيكي على الشعر الكردي عبر استيراد لنقول الاوزان الشعرية، علم العروض.
ويشير جان دوست بأن هذه كلها لم تكون موجودة في الشعر الكردي واستعاروها الشعراء الكرد من الشعر العربي وصاروا الشعراء الكرد على منوال الشعراء العرب في نظم القصيدة والقافية وحتى في البلاغة العربية كالجناس والطباق ومجمل علوم البلاغة العربية مثل البيان والبديع استعملوها في اللغة الكردية وفي الشعر الكردي.
ويكمل: “امتدّ هذا التأثير إلى يومنا الحالي، فالأكراد لم يكتفوا بالثقاقة الكردية في القرون الماضية، الرابع والخامس… والخ، بل المثقفين الحاليين وخاصة أكراد سوريا تأثروا بالثقافة العربية المعاصرة والشعر العربي المعاصر لأن معظم هؤلاء كانت لغتهم الثقافية هي اللغة العربية فمن الطبيعي أن تبنى جسور ممتدة بين هذين اللغتين مما أثر على إثراء الثقافة الكردية وأصبحت ثقافة متنوعة ذات طابع خاص”.
اقرأ أيضاً: البيت السوري.. مرآة الثقافة وتأريخ للحياة – 963+
الموسيقى: الذاكرة المشتركة
تتميّز الموسيقى الكردية بتنوّعها بين الشعبي والكلاسيكي، وباستخدام آلات مثل الطنبور والدف والزرنة والداهول. وقد أسهم الموسيقيون الكرد في إثراء المشهد الموسيقي السوري عبر إدخال ألوان غنائية وإيقاعية جديدة، وسّعت الذائقة العامة، وعمّقت الإحساس بالمشترك الوجداني.
فمثلاً الفنان محمد شيخو قدّم الأغنية الكردية بصوت سوري، وهو يُعد أحد أهم الأصوات الكردية في سوريا. استمد أغانيه من الشعر الشعبي والحياة اليومية، فشكّلت ذاكرة جمعية للأكراد، وفي الوقت نفسه وجدت صدى واسعاً خارج مجتمعهم، متأثرة بالمقامات والبيئة الموسيقية السورية، ومعبرة عن وجدان إنساني مشترك.
الفنون التشكيلية والأزياء: هوية بصرية متداخلة
أسهم الفنانون التشكيليون الأكراد في الحركة الفنية السورية بأعمال مزجت بين الرموز التراثية والتعبير المعاصر، مثل عمر حمدي، نامق سراج الدين، خليل عبد القادر، وجدان علي، وعادل قريشي. وتجلّت في أعمالهم رموز الشمس والطاووس، والألوان المستمدة من طبيعة المناطق الكردية، ما أضاف بعداً بصرياً غنياً إلى الفن السوري.
ويرى مصمم الأزياء والفنان التشكيلي حكمت داوود أن الزي الكردي جزء أصيل من الفسيفساء السورية، مؤكداً أن الأزياء ليست مجرد ملابس، بل خطاب ثقافي يروي قصة المكان والناس.
العمارة والعمران: أثر تاريخي مستمر
يوضح الأستاذ الجامعي آزاد علي في تصريحات لـ”963+” أن الإضافة الكردية إلى العمارة في سوريا تعود إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ولا سيما في المرحلة الأيوبية، حيث شُيّدت القلاع والخانات والمدارس والمشافي (البيمارستانات)، وترسّخت مصطلحات وأساليب معمارية ما زالت مستخدمة حتى اليوم مثل: خانكاه. بيمارستان. خان. رنك. ايوان… الخ
ويشير إلى أن القرى الكردية حافظت على أسلوب البناء الريفي التقليدي حتى العصر الحديث، قبل أن تتحول بعض التجمعات إلى مدن مثل عامودا والقامشلي، مع استمرار مساهمة الحرفيين الأكراد في مشاريع البناء الحديثة إلى جانب باقي مكوّنات المجتمع السوري ويكمل، بعد سوريا الحديثة ما في فن العمارة… في عمليات بناء حديثة ساهم فيها الحرفيون الأكراد مثل غيرهم من كل مكونات سوريا. وخاصة الحجارون وعمال الباتون.
المطبخ والعادات: الثقافة في تفاصيل الحياة
أضاف المطبخ الكردي نكهات مميزة إلى المائدة السورية، مثل خبز التنور، والكبة الكردية، والكوليجة، مع اعتماد كبير على القمح ومنتجات الألبان. وتقول ريتا ملكي لـ”963+” إن هذا التشابه في الطعام والعادات يعكس تقاربًا جغرافيًا وتاريخيًا، حيث تمثّل الأكلات المشتركة دليلًا على التمسك بالأرض والاستمرارية.
وترى الدكتورة سمر علي، عضو الهيئة التدريسية في المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية في دمشق، في تصريحات لـ”963+” أن التفاعل بين الثقافة الكردية والثقافة السورية تشكّل عبر تاريخ طويل من التعايش الجغرافي والاجتماعي، وأسهم في تبادلات لغوية ودينية واجتماعية واضحة.
وتوضح أن البعد اللغوي يشكّل عنصراً أساسياً في الهوية، حيث تعايشت العربية والكردية في الحياة اليومية والتعليم والعمل، ما أفرز واقعاً لغوياً مزدوجاً في مناطق التماس. وعلى المستوى الاجتماعي، تشير إلى تقاطع أنماط الأسرة الممتدة، والضيافة، والاحتفالات، مع احتفاظ كل مكوّن بخصوصياته الثقافية.
أما سياسياً، فتؤكد أن قضايا المواطنة والحقوق الثقافية لعبت دوراً في تشكيل وعي ثقافي كردي سوري مزدوج، منفتح على الآخر، وقادر على الحوار، دون التفريط بالجذور القومية.
الثقافة الكردية في المشهد السوري العام
يرى الروائي والمسرحي والقاص محمد الحفري، ابن مدينة درعا، أن الثقافة الكردية كانت وما تزال حاضرة بعمق في المشهد الثقافي السوري، ليس فقط على مستوى النخب، بل في الفنون الشعبية والموسيقى والذاكرة اليومية، مشيراً إلى أن هذا الحضور يعكس التداخل الطبيعي بين المكوّنات السورية.
وأخيراً تكشف التجربة السورية أن تأثير الثقافة الكردية لم يكن تذويباً للهوية، بل إعادة صياغة لها داخل فضاء تعددي. فقد انتقلت هذه الثقافة من الشفهي إلى المكتوب، ومن المحلي إلى الإنساني الأوسع، وأسهمت في توسيع المخيال السوري، وتعميق مفهوم التنوّع بوصفه شرطاً للغنى الثقافي.
إن الاعتراف بهذا التأثير لا يعني منح امتياز ثقافي لطرف على حساب آخر، بل قراءة واقعية لتاريخ طويل من التعايش والإنتاج المشترك. فالثقافة الكردية في سوريا لم تكن يوماً ثقافة هامش، بل ثقافة شريكة، ساهمت في تشكيل الذاكرة السورية، وما تزال قادرة، رغم كل التحولات، على لعب دور إيجابي في بناء مستقبل ثقافي أكثر عدالة، وصدقاً، وتعدّدية.










