تشهد العلاقات الإسرائيلية – التركية تصعيداً جديداً، مع تحول سوريا إلى ساحة صراع إقليمي بين الطرفين. ويُبرز تقرير لجنة “ناغل” الإسرائيلية، إلى جانب التطورات الميدانية الأخيرة، المخاوف الإسرائيلية من النفوذ التركي المتزايد في سوريا، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد الذي نفذ مهمة حماية حدود إسرائيل أكثر من 40 عاماً، وصعود حكومة مؤقتة مدعومة جزئيًا من أنقرة. وكان نافراً تسريب إسرائيل للمحادثات بين الأسد والمشغّل الاستخباري الإسرائيلي “موسى” في هذا التوقيت.
تركيا عدو
اكتشفت لجنة “ناغل” الإسرائيلية أن تركيا هي العدو اليوم، ووفقاً لتقريرها، تسعى أنقرة إلى استعادة نفوذها العثماني في الشرق الأوسط، مع التركيز على سوريا كمنطقة نفوذ رئيسية.
وتحذر اللجنة من أن القوات التركية أو وكلاءها في سوريا قد يمثلون تهديداً مباشراً لإسرائيل إذا تحولوا إلى “أداة تركية” لتحقيق طموحات أنقرة. وبعد سقوط الأسد، دعمت تركيا حكومة انتقالية تسعى برئاسة أحمد الشرع، لكن إسرائيل ترى أن هذه الحكومة تشكل تهديدًا بسبب علاقاتها مع جماعات إسلامية متشددة، ومع فصائل لها جذور جهادية.
وتقول صابرينا ليفي، مراسلة القناة 12 الإسرائيلية، إن تل أبيب “تقدمت خطوة إضافية في مسيرة علاقتها المتفجرة بأنقرة، وذلك في أعقاب تقرير ياكوف ناغل، وقد طرحت للنقاش مسألة التهديد التركي الذي يتشكل شيئاً فشيئاً في سوريا اليوم، وهو أخطر وأعظم من التهديد الإيراني، خصوصاً أن سوريا توشك على التحول إلى ممثل لتركيا على حدود الدولة العبرية، كجزء من تحقيق الحلم التركي القديم الجديد، لذا هناك خطر متصاعد من تماس إسرائيلي – تركي يشعل فتيل حرب ضروس بين البلدين”.
اقرأ أيضاً: صحيفة: إسرائيل وتركيا بحثتا آلية تنسيق لمنع الاشتباك في سوريا – 963+
على عتبة منزلنا
في تصريح متلفز، قال جاي كوهين ينروجيك، الباحث الإسرائيلي المتخصص في الشأن التركي: “تركيا دولة عدوة لإسرائيل بكل المقاييس، وخطرها قد يصل إلى عتبة منزلنا، فإسرائيل وتركيا صارتا جارتين، وفي المستقبل القريب، سنرى جنوداً أتراك في شوارع دمشق، وبعد ما جرى في 7 أكتوبر، ليس لنا رفاهية الاستخفاف بأي تهديد”.
إلى ذلك، لا تتوقف التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية عن التنديد بسعي تركيا إلى تعزيز وجودها العسكري في قواعد مثل مطار حماة وقاعدة T-4 الجوية، وهذه الخطوات دفعت إسرائيل إلى تنفيذ ضربات جوية استهدفت منشآت عسكرية تركية وسورية كتحذير واضح لأنقرة، وركزت على تدمير مستودعات الوقود والرادارات ومنصات الصواريخ، لمنع تركيا من استخدام هذه المواقع لنشر أنظمة دفاع جوي أو تعزيز وجودها العسكري.
من جانبهم، أكد المسؤولون الإسرائيليون أن هذه الضربات تحمل رسالة مباشرة إلى تركيا، مفادها: “أي محاولة لتعزيز نفوذها العسكري في سوريا ستُقابل برد عسكري صارم، خصوصاً بعد ورود تقارير عن مفاوضات بين الحكومة السورية المؤقتة وتركيا لتوقيع اتفاقيات دفاع مشترك”.
اقرأ أيضاً: تركيا تنفي إجراء محادثات مع إسرائيل لمنع الاشتباك في سوريا – 963+
ماذا تريد؟
لكن، في هذا التوقيت بالذات، ماذا تريد تل أبيب من الشرع؟
في مقابلة متلفزة، يصف تمير هيمان، رئيس معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، الشرع بأنه “شخص إسلامي إشكالي جداً جداً، يتحلق حوله أشخاص سيئون جداً جداً، جميعهم محاربون جهاديون في الماضي، وقد كانوا أهدافاً لقواتنا، وأغلبية من تحدثت إليهم لا يصدقون الشرع، ويعتقدون أنه ذئب في جلد حمل، وأن مظهره واجهة فقط، وفي النهاية سيبني دولة إسلامية جهادية”.
لكن، بحسب الإعلام الإسرائيلي، يبدو أن تل أبيب تسعى إلى التواصل مع الشرع لتحقيق أهداف محددة، في مقدمها الحد من التوغل التركي في جنوب سوريا، والتعاون ضد الجماعات الجهادية إذ تخشى إسرائيل من تحول الحكومة السورية الجديدة إلى منصة لدعم هذه الجماعات التي تهدد أمنها القومي، وإضعاف النفوذ الإيراني والتركي معًا إذ ترى تل أبيب أن دعماً محدوداً للشرع قد يخلق فرصة لإسرائيل لتوسيع نفوذها غير المباشر في المنطقة.
اقرأ أيضاً: سوريا الجديدة في مهبّ صراع النفوذ: تركيا إسرائيل ومأزق السيادة – 963+
تحليل “لجنة ناغل” الإسرائيلية للتهديد التركي – السوري
كشف التقرير عن مفاوضات سرية بين دمشق وأنقرة لتسليم مناطق استراتيجية قرب تدمر للجيش التركي، مقابل دعم مالي وعسكري “للنظام السوري الجديد”. قد تمنح هذه الخطوة تركيا سيطرة على الممرات البرية بين العراق وسوريا، وتُعزِّز قدرتها على نشر أنظمة دفاع جوي متطورة مثل “S-400”.
وأشار تقرير اللجنة إلى أن النظام السوري الجديد بدأ بإعادة بناء قواعده العسكرية في الجنوب، قرب هضبة الجولان المحتلة، بدعم تركي مباشر. من أبرز المؤشرات: “ترميم مطار تدمر العسكري الذي تعرَّض لقصف إسرائيلي متكرِّر، نشر بطاريات صواريخ أرض-أرض من نوع “J-600T” ذات مدى متوسط”.
اقرأ أيضاً: هآرتس: تركيا تسعى لتقييد حرية العمليات الجوية الإسرائيلية في الأجواء السورية – 963+
مقارنة بالتهديد الإيراني
رغم اعتبار إيران “العدو الرئيسي”، نوَّه التقرير بأن الخطر التركي يتميَّز بثلاث سمات: “الشرعية الإقليمية: تركيا عضو في حلف الناتو ولديها شبكة علاقات ديبلوماسية أوسع من طهران. القدرات العسكرية: يُصنَّف الجيش التركي الثاني في الحلف الأطلسي بعد الولايات المتحدة، بعديد 500 ألف جندي في الخدمة الفعلية، و320 ألفاً في الاحتياط. القاعدة الاجتماعية: قد تُسهِّل العلاقات الثقافية بين الأتراك والسوريين قبول الوجود التركي في سوريا كـ”قوة استعمارية ناعمة”.
ودعا التقرير إلى تعزيز الردع من خلال: “شنِّ غارات جوية مكثَّفة على الأهداف التركية – السورية، توسيع المنطقة العازلة في جنوب سوريا لتصبح “منزوعة السلاح بالكامل” تحت المراقبة الدولية”.
وحذَّر بنيامين نتنياهو من أن إسرائيل “لن تتردَّد في مواجهة التمدُّد التركي”، معتبرًا أن التحالف مع دمشق يُشكِّل انتهاكًا للاتفاقات الإسرائيلية-السورية لعام 1974. كما ضغط على الإعلام العبري لتكثيف التغطية على “الحتمية التاريخية للمواجهة”.
اقرأ أيضاً: تركيا وإسرائيل في سوريا.. تصادم أم فض اشتباك أم تقاسم نفوذ؟ – 963+
التعديلات المالية
أوصت اللجنة بزيادة ميزانية الجيش بنسبة 15% سنويًا حتى 2030، مع تركيز الاستثمارات على: “أنظمة الحرب الإلكترونية لمواجهة “كورال” التركية، تعزيز سلاح الجو بطائرات “F-35I” لقدرتها على اختراق الدفاعات الجوية الروسية – التركية”.
وأكدت الوثائق أن روسيا قد تسمح بمواجهة محدودة بين إسرائيل وتركيا في سوريا، كجزء من استراتيجيتها لإضعاف جميع الأطراف. كما عبَّر التقرير عن قلق من أن انشغال واشنطن بالمنافسة مع الصين قد يدفعها لتقليل دعمها لإسرائيل، ما يُعزِّز جرأة أنقرة.
ويستنتج التقرير أن السنوات الخمس المقبلة ستشهد واحدة من اثنتين: انهيار التحالف التركي-السوري تحت ضغوط اقتصادية، أو تصاعُد عسكري يصل إلى مواجهة مباشرة.
وكتوصية أخيرة، دعا يعقوب ناغل، رئيس لجنة ناغل، إلى إنشاء “تحالف مضاد” بقيادة إسرائيل لموازنة القوى المتغيرة، واصفاً سوريا بأنها لم تعد ساحة للصراع مع إيران فحسب، بل أصبحت البوابة الشرقية لتهديد وجودي جديد لإسرائيل.
نشرت هذه المادة في العدد السادس من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 11 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










