لقد كان اللقاء بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب تعبيراً عن مرحلة مختلفة في مقاربة الطرفين للسياسة. فهذا التحول قد جاء انطلاقاً من حاجة متبادلة إلى تنظيم العلاقة ضمن قواعد أكثر واقعية، في ظلّ خريطة إقليمية تعاد صياغتها على عجل.
يمكن لنا القول إن دمشق الانتقالية تتحرك ضمن هامش ضيّق تحكمه أولويات الاقتصاد وإعادة بناء المؤسسات، وهي تدرك أن فكّ العزلة السياسية التي كانت مفروضة خلال سنوات النظام السابق؛ ستكون من خلال الانخراط المدروس مع القوى الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة. في المقابل، تبدو واشنطن مهتمة بإعادة ضبط علاقتها بسوريا بما ينسجم مع أهدافها في مكافحة التنظيمات المتطرفة، وضمان ألا تتحول البلاد إلى مساحة نفوذ مغلقة أمامها.
يمكن قراءة اللقاء من زاويتين: الواقعية السياسية التي ترى الدول تتصارع على القوة والمصالح عبر صفقات مرنة، والبنائية الاجتماعية التي تعكس أهمية الصورة والشرعية؛ حيث تسعى دمشق لإعادة صياغة صورتها وواشنطن لاختبار إمكانية شراكة مستقرة.
لا يحمل هذا الانفتاح بعداً درامياً، فهو أقرب إلى اختبار سياسي تحاول فيه واشنطن قياس حدود التعاطي خلال المرحلة الحالية مع دمشق الانتقالية. بالنسبة للأخيرة، يُفترض أن يفتح اللقاء الباب أمام إلغاء أو توقيف نهائي للعقوبات وإعادة إدماج الاقتصاد السوري في النظام المالي الدولي، بينما تنظر واشنطن إلى التعاون الأمني والاقتصادي بوصفه مدخلاً لتثبيت الاستقرار ومنع الفراغ الذي قد تملؤه قوى منافسة.
اللقاء لا يعني بداية تحالف، لكنه يؤشر إلى نهاية مرحلة القطيعة، فواشنطن ستتعامل مع سوريا كعنصر في معادلة توازن أوسع تشمل شرق المتوسط والعراق والأردن. أما دمشق، فهي تحاول أن تُظهر قدرة على المبادرة بدلاً من ردّ الفعل، مستندة إلى منطق السيادة من جهة، وإلى ضرورة الانفتاح من جهة أخرى.
العلاقة الجديدة، إن صحّ تسميتها كذلك، ما تزال في طور التشكّل. فهي لا تُقاس بالتصريحات ولا بالابتسامات أمام الكاميرات، إذ تقاس فعلياً بمدى قدرة كل طرف على تحويل الخطاب السياسي إلى سياسة فعلية. فالمعيار الأميركي يبقى مرتبطاً بالسلوك الميداني وبمستوى الانضباط الأمني، بينما معيار دمشق يرتبط بمدى احترام واشنطن لخصوصية التجربة السورية الجديدة وعدم فرض شروط تمس استقلال القرار الداخلي.
ما يمكن ملاحظته أيضاً هو تداخل أنماط القوة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تمارس نوعاً من القوة الناعمة عبر أدوات الضغط الاقتصادي، المشروطة بالإصلاح والانفتاح، لتوجيه السلوك السياسي دون تدخل مباشر. في المقابل، تحاول دمشق استثمار النفوذ الرمزي الناتج عن كسر العزلة الدبلوماسية لتستعيد موقعها في الساحة الدولية.
العلاقة بين الطرفين تُبنى ضمن ما يمكن تسميته بـ الاعتماد المتبادل المعقّد، حيث تتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية بحيث لا يمكن لأي طرف أن يفرض شروطه بالكامل؛ فواشنطن تحتاج استقرار سوريا لضبط شرق المتوسط، ودمشق تحتاج واشنطن لرفع القيود الاقتصادية وفتح بوابات الاستثمار، وهذا التبادل يخلق شبكة مصالح لا يمكن فكّها دون أثمان عالية، ويجعل العلاقة محكومة بالتوازن.
من منظور أميركي، تمثل سوريا اليوم ورقة توازن حيث باتت واشنطن تبحث عن شركاء يمكن التعامل معهم في حدود المصالح المشتركة. فالقضية الحالية لهم قد تتمثل في منع انهيار الدولة السورية الجديدة ومنع تمدد النفوذ المنافس – الروسي – داخل مؤسساتها. لذا، يبدو اللقاء مع الشرع جزءاً من إعادة تموضع أميركي أوسع، يهدف إلى ضمان أن تبقى سوريا تحت سقف “الاستقرار المراقَب”، دون الانجرار إلى محاور متطرفة أو مغلقة.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الانفتاح الأميركي على دمشق كتحوّل استراتيجي شامل، ولكنه يأتي كاختبار سياسي لمعرفة مدى استعداد الحكومة الانتقالية للانخراط في منظومة التفاهمات الإقليمية التي تقودها واشنطن. والنتيجة مرهونة بمدى قدرة الطرفين على تثبيت أرضية من الثقة العملية.
المقاربة الأميركية هنا تقوم على فكرة “الاستثمار في الاستقرار”، أي تقديم الدعم المشروط مقابل سلوك سياسي منضبط. وهي معادلة تسعى واشنطن لتطبيقها في أكثر من ساحة شرق أوسطية، حيث لا عودة إلى التدخل المباشر، إنما إدارة النفوذ عبر الشركاء المحليين. بالنسبة لدمشق، هذا النمط من العلاقة يتيح مساحة للتنفس، لكنه يفرض في الوقت ذاته سقفاً صارماً لأي تحالف محتمل.
بالعموم فإنه لا يمكن فهم اللقاء خارج التحولات الكبرى في بنية النظام الإقليمي الشرق أوسطي، فالمعادلات التي حكمت المنطقة منذ سقوط العراق وصعود إيران لم تعد ثابتة. واشنطن تعمل اليوم على إعادة صياغة ما يمكن تسميته بـ الأمن الإقليمي المتشابك، بحيث تصبح كل دولة جزءاً من منظومة أوسع تُدار بالمصالح.
ضمن هذا السياق، تحاول دمشق اعتماد ما يمكن وصفه بـ الحياد المرن، أي البقاء على مسافة واحدة من المحاور الإقليمية المتنافسة (التركي، الإيراني، والخليجي)، مع الحفاظ على خطوط تواصلها مع الغرب، هذا التموضع لا يعني بالضرورة الحياد السلبي بل هو محاولة لتموضع مرن يوازن بين المصالح المتناقضة دون الاصطدام بأحدها.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










