في خطوة غير مسبوقة وُصفت بـ”التاريخية”، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK) اليوم الإثنين عن حلّ هيكله التنظيمي وإنهاء الصراع المسلح المستمر منذ أكثر من أربعة عقود مع الدولة التركية. وجاء هذا الإعلان عبر بيان رسمي نُشر في وكالة “فرات” الإخبارية المقربة من الحزب، عقب انعقاد المؤتمر الثاني عشر للحزب، الذي وُصف بأنه جاء استجابة مباشرة لدعوة زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان إلى السلام والتحول الديمقراطي.
اقرأ أيضاً: حزب العمال الكردستاني يعلن حل نفسه وإنهاء الصراع المسلح – 963+
نهاية الكفاح المسلح وبداية جديدة
وأكد الحزب في بيانه أن “المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني، الذي انعقد بنجاح في منطقتين مختلفتين لأسباب أمنية، وبمشاركة 232 مندوباً، قرر حل الحزب وإنهاء أنشطته التي تتم تحت اسمه، وإنهاء الصراع المسلح مع تركيا”.
وأضاف البيان أن “المؤتمر ناقش قضايا محورية منها القيادة، الشهداء، المحاربين القدامى، الوجود التنظيمي، منهج النضال المسلح، وبناء المجتمع الديموقراطي”، مشدداً على أن الحزب “أكمل مهمته التاريخية في مواجهة سياسة الإنكار والإبادة المفروضة على الشعب الكردي منذ معاهدة لوزان ودستور عام 1924”.
ولفت البيان إلى أن إدارة تنفيذ هذا القرار ستكون بإشراف مباشر من زعيم الحزب عبد الله أوجلان، الذي دعا في وقت سابق إلى إنهاء العمل المسلح والبدء في مرحلة نضال ديموقراطي.
وجاءت هذه الخطوة تتويجاً لدعوة أطلقها عبد الله أوجلان في 27 شباط/فبراير الماضي، حيث قال في رسالة قُرئت باسم حزب “المساواة وديموقراطية الشعوب” أمام وسائل الإعلام التركية: “لا سبيل للسلام والعدالة سوى بالديموقراطية والحوار الديموقراطي، ولا بقاء للجمهورية إلا بالديموقراطية الأخوية بين الشعبين التركي والكردي”.
وشدّد أوجلان على أن “لغة العصر هي السلام بين الشعوب، وأن المجتمع الديموقراطي بحاجة إلى التطوير والمزيد من الحوار”.
وفي سياق ردود الفعل الإقليمية، وصف حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان، قرار حزب العمال الكردستاني حلّ نفسه بأنه يمثل “نقطة تحوّل” في طريق بناء “تركيا خالية من الإرهاب”.
وقال المتحدث، في منشور عبر منصات التواصل الاجتماعي، إن “تنفيذ قرار حل الحزب يجب أن يتم عملياً وبشكل كامل”، مشيراً إلى أن العملية ستكون خاضعة لـ”مراقبة ميدانية دقيقة من قبل مؤسسات الدولة التركية”.
كما رحب رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، بالقرار، واصفاً الخطوة بأنها “مصيرية وتدل على نضج سياسي”، مشيراً إلى أنها تمهد الطريق لحوار حقيقي يعزز التعايش والاستقرار في تركيا والمنطقة بأسرها.
وقال بارزاني في بيان رسمي: “نرحب بقرار حزب العمال الكردستاني بحل نفسه والاستجابة لدعوة عبد الله أوجلان، ونراه بداية لمرحلة جديدة في المنطقة”، داعياً في الوقت ذاته جميع الأطراف إلى “مقابلة هذه المبادرة بخطوات إيجابية وضرورية تؤسس لسلام دائم وشامل، يطوي صفحة العنف والمعاناة، ويفتح آفاقاً جديدة للتقدم والاستقرار”.
اقرأ أيضاً: “حزب العمال الكردستاني” يعلن عن إلقاء السلاح وحل نفسه – 963+
قرار واقعي وتاريخي
وفي تعليق على هذا التطور، قال الأكاديمي الكردي والباحث في المركز الكردي للدراسات، طارق حمو، في تصريحات لموقع “963+” إن قرار الحزب “تاريخي وواقعي” ويعكس استجابة مباشرة لدعوة أوجلان.
وأوضح حمو أن البيان أشار بوضوح إلى “تغيرات عميقة في السياقات الإقليمية والدولية، أبرزها نهاية الحرب الباردة، وانهيار المنظومة الشيوعية، وبداية عهد جديد يتطلب تبني أساليب سلمية وديمقراطية في تركيا”.
وأضاف أن هذه المبادرة جاءت بدعم غير مباشر من زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الذي طالب أوجلان بالمشاركة السياسية عبر البرلمان التركي، معتبراً أن المرحلة المقبلة “مرهونة بإجراءات تركية تشمل الإفراج عن أوجلان، إطلاق سراح السجناء السياسيين، إصدار عفو عام، وتنفيذ إصلاحات قانونية ودستورية تمهّد لحل سلمي شامل”.
اقرأ أيضاً: قائد “قسد”: دعوة أوجلان لإلقاء السلاح موجهة لـ”العمال الكردستاني” وليس لقواتنا – 963+
انعكاسات محتملة على المشهد السوري
أشار حمو إلى أن تأثيرات القرار على مناطق شمال شرقي سوريا ستكون “غير مباشرة”، لكنها قد تسهم في تغيير السياسة التركية تجاه الإدارة الذاتية وتقليل التوترات الحدودية، إذا تحقق السلام الداخلي في تركيا.
وعن دور الكرد، قال حمو إنهم “مكوّن رئيسي في تركيا”، مشيراً إلى تقديرات تفيد بوجود أكثر من 26 مليون كردي، بينهم نحو 7 ملايين في إسطنبول.
وتوقع أن تتركز الجهود المقبلة على تعزيز تمثيل حزب المساواة والديموقراطية للشعوب (Dem) في البرلمان، بهدف إحداث تحول سياسي سلمي يعترف بالهوية الكردية ويكرّسها ضمن الجمهورية التركية الديموقراطية.
وكانت قد اعتبرت الولايات المتحدة، عبر المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بريان هيوز، دعوة أوجلان “تطوراً مهماً” من شأنه “تطمين الحكومة التركية بشأن الشركاء السوريين للولايات المتحدة في محاربة “داعش”، خصوصاً قوات سوريا الديموقراطية (قسد)”.
أما الزعيم الكردي العراقي مسعود بارزاني، فصرّح بأن “السلام هو السبيل الصحيح الوحيد لحل الخلافات”، معبّراً عن أمله في أن تمثل هذه المبادرة “بداية لمسار جديد يصب في مصلحة جميع الأطراف وينهي الحرب”.
وفي تركيا، رحب أفقان آلا، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، بدعوة أوجلان، مؤكداً أن “جوهرها يكمن في إلقاء السلاح وحل الحزب، ما سينعكس إيجاباً على الداخل التركي”.
واختتم الباحث طارق حمو تصريحه بالتأكيد على أن “تركيا أمام فرصة تاريخية لحل النزاع الكردي-التركي بشكل سلمي”، لافتاً إلى أن الحرب كلّفت البلاد أكثر من تريليوني دولار، مؤكداً أن “هذه المرحلة تمثّل بداية جديدة لتركيا، يسودها صوت السياسة بدلًا من السلاح، وبناء مستقبل قائم على السلام والعدالة والديموقراطية”.










