في مشهد يعكس مرحلة جديدة من الانفتاح الحذر بين دمشق وأنقرة، قام وزير الخارجية في السلطات السورية الانتقالية أسعد الشيباني، يوم الأربعاء الماضي، بزيارة عمل رسمية إلى تركيا، استهدفت بحث التطورات الأخيرة في سوريا وتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين. الزيارة، التي جرت في العاصمة التركية أنقرة، اكتسبت طابعاً سياسياً وأمنياً لافتاً، خاصة في ظل تصاعد الجدل حول مستقبل مناطق الشمال الشرقي وعلاقة السلطة الانتقالية بقوات سوريا الديموقراطية (قسد).
وخلال لقائه بنظيره التركي هاكان فيدان، عقد الشيباني مباحثات موسعة تناولت الأوضاع الميدانية والسياسية، وخصوصاً ملف “قسد” والوضع في شمال شرقي البلاد. وفي المؤتمر الصحفي المشترك عقب الاجتماع، أكد الشيباني أن الحوار بين الحكومة الانتقالية و”قسد” يستند إلى مبدأ “دولة واحدة، وجيش واحد، وأرض واحدة”، مشدداً على “الرفض القاطع لأي شكل من أشكال التقسيم أو الانفصال”.
وأضاف أن اتفاق العاشر من مارس بين الجانبين “لا يزال حبراً على ورق” بسبب ما وصفه بـ“تباطؤ قسد في تنفيذ بنوده”، داعيًا إلى الالتزام الكامل بالإطار الوطني.
كما أثنى الشيباني على الدور الذي تؤديه تركيا في دعم سوريا خلال المرحلة الانتقالية، معتبراً أن “التعاون السوري–التركي يشكّل عنصراً أساسياً في مواجهة التحديات الإقليمية وتعزيز الاستقرار في المنطقة”.
اقرأ أيضاً: أردوغان: التحالف التركي الكردي العربي مفتاح السلام بالمنطقة – 963+
وحدة وسيادة
ولم تخلُ تصريحاته من لهجة حازمة حيال التهديدات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية، إذ دعا المجتمع الدولي إلى “الوقوف إلى جانب سوريا لوقف هذه الاعتداءات”، محذراً في الوقت نفسه من “التدخلات الخارجية التي تهدف إلى إضعاف الدولة وإشعال الفتن الطائفية”.
ويُجمع مراقبون على أن خطاب الشيباني حمل مزيجاً من الواقعية السياسية والتمسك بالثوابت الوطنية، في محاولة لصياغة توازن جديد بين استعادة السيادة من جهة، والانفتاح الإقليمي من جهة أخرى.
ويؤكد الكاتب والمحلل السوري حسن النيفي، في تصريحات لـ”963+” أن “هذا الخطاب لا يُعدّ تحوّلاً في الموقف الرسمي بقدر ما هو امتداد لاستراتيجية ثابتة تتبناها السلطة السورية منذ توليها الحكم في الثالث من ديسمبر الماضي”.
ويضيف النيفي في تصريحه أن “النهج المركزي الذي تتبعه الحكومة السورية خيار مقصود ومعلن، رغم الانتقادات التي تواجهه من بعض الأطراف”، موضحاً أن “دمشق تعتبر أي انفتاح على المفاهيم الفيدرالية أو اللامركزية السياسية بمثابة بداية لتحلل الدولة”.
ويرى أن ما عبّر عنه الوزير الشيباني في أنقرة ليس موقفاً طارئاً، بل تأكيد متكرر لسياسة رسمية تهدف إلى منع أي مسار يؤدي إلى تقويض وحدة سوريا الجغرافية والسياسية.
وحول انعكاسات هذه التصريحات على العلاقات السورية–التركية، يقول النيفي إن “الحكومة السورية، رغم الروابط الوثيقة والتداخل العميق مع أنقرة، تحرص على الظهور بمظهر الدولة المستقلة التي تتخذ قراراتها دون وصاية أو ضغط خارجي”.
ويرى أن “تمسّك دمشق بالحوار مع “قسد” يشكّل دليلاً على هذا الاستقلال في القرار، رغم أنه لا يتطابق كلياً مع الرؤية التركية”.
ويضيف أن بيان وزارة الخارجية السورية الأخير “يحمل رسالة واضحة تؤكد ثبات استراتيجية الدولة في الحفاظ على وحدة سوريا ورفض تقديم أي تنازلات تحت الضغط”، مشدداً على أن هذا الموقف ليس جديداً، بل هو “تجديد للتأكيد على التوجه الوطني في مواجهة الدعوات الانفصالية أو الضغوط السياسية في ملفات داخلية”.
اقرأ أيضاً: عبدي: لجنة عسكرية ستتوجه إلى دمشق لبحث الاندماج بالجيش السوري – 963+
تنسيق متصاعد
في المقابل، يقدّم المحلل السياسي التركي هشام رستم قراءة أخرى تُظهر جانباً مختلفاً من المشهد، إذ يرى أن الموقف السوري من مسألة الحكم الذاتي للأكراد “لا يعكس تصلّباً في الموقف، بل محاولة لفتح قنوات الحوار وتخفيف حدة التوتر في شمال البلاد بعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الصراع”.
ويقول رستم لـ”963+” إن “الإدارة السورية الجديدة تسعى إلى حل الخلافات مع قوات سوريا الديمقراطية عبر الحوار المتبادل بدلاً من النزاع المسلح، في إطار جهود تهدف إلى حقن دماء المدنيين وبسط السيطرة على كامل الأراضي السورية”.
ويتابع رستم موضحاً أن هذا التوجه “لا يعني قبولاً بتأسيس إقليم كردي مستقل أو ذي حكم ذاتي، بل يؤكد رفض أي مشاريع تقسيمية تمس وحدة الدولة السورية”، مضيفاً أن تصريحات الشيباني في أنقرة “جاءت منسجمة إلى حد كبير مع الموقف التركي”، خاصة في ما يتعلق بـ”ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا تحت إدارة مركزية واحدة مقرها دمشق، ورفض أي مساعٍ لتفكيك البلاد أو إنشاء كيانات منفصلة في الشمال الشرقي أو في مناطق أخرى مثل السويداء والساحل السوري”.
ويرى رستم أن العلاقات السورية–التركية “جيدة جداً ولا تحتاج إلى تحسينات كبيرة”، مشيراً إلى وجود”تنسيق مستمر وتبادل زيارات رسمية، إضافة إلى دعم تركي واضح للإدارة السورية الجديدة في مجالات التدريب والاستثمار وتبادل الخبرات”.
ويؤكد أن زيارة الشيباني الأخيرة “تأتي في سياق التعاون القائم وليست تحولاً جديداً في طبيعة العلاقة بين البلدين”.
وفي ما يخص الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا، يوضح رستم أن هذه المسألة تمثل “مصدر قلق مشترك لكل من أنقرة ودمشق”، إلا أن الخيارات المتاحة “لا تزال محدودة”.
ويشير إلى أن تركيا، رغم معارضتها للوجود الأميركي ودعمه لبعض القوى الكردية، “تتبنّى نهج الحوار والديبلوماسية في التعامل مع واشنطن، خصوصاً بعد لقاء الرئيس التركي بنظيره الأمريكي مؤخراً”.
ويضيف أن أنقرة تعمل على “إقناع واشنطن بتعديل موقفها من الأكراد ومنع أي توجهات انفصالية في شمال سوريا، في ظل استمرار التنسيق السوري–التركي في هذا الملف على الصعيدين السياسي والشعبي”.
وتُظهر تصريحات النيفي ورستم، رغم انطلاقهما من موقعين مختلفين، توافقاً واضحاً في قراءة الموقف السوري من زاويتين متكاملتين: فالأول يرى فيه تأكيداً على النهج المركزي واستقلالية القرار الوطني، بينما يراه الثاني انفتاحاً محسوباً باتجاه الحوار دون التخلي عن الثوابت السيادية.لكن الفارق بين الرؤيتين يكمن في زاوية المقاربة: فبينما يشدد النيفي على صلابة الدولة في مواجهة الضغوط والانقسامات الداخلية، يركّز رستم على مرونتها في إدارة التحديات عبر الديبلوماسية وتفاهماتها مع تركيا.
وبين هذا التشدد المرن وتلك المرونة الصلبة، يمكن القول إن زيارة الشيباني إلى أنقرة حملت رسائل مزدوجة للداخل والخارج: “فهي من جهة تؤكد أن دمشق لا تزال تعتبر وحدة أراضيها “خطًا أحمر”، ومن جهة أخرى تفتح الباب أمام صياغة معادلة توازن جديدة مع أنقرة، تقوم على قاعدة المصالح المشتركة لا التبعية السياسية”.










