منذ انطلاق الحراك الشعبي عام 2011، تحولت سوريا إلى ساحة رئيسية لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، وجذب اللاعبين الكبار نحو قلب المشرق، سواء عبر التدخلات العسكرية المباشرة أو من خلال ترتيبات النفوذ والمصالح، فبينما دخلت قوى إقليمية مثل تركيا وإيران على خط الصراع، وجدت قوى دولية كروسيا والولايات المتحدة في سوريا فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، كل لأسبابه وحساباته الخاصة.
وسط هذا المشهد المتشابك، شكل التدخل الروسي في سوريا عام 2015 نقطة تحول كبرى في مسار الصراع، حيث قدّمت موسكو دعماً عسكرياً واستخباراتياً مباشراً لنظام بشار الأسد، مما ساهم في قلب موازين القوة على الأرض، ومنع سقوط النظام آنذاك، وعلى مدى سنوات، حافظت موسكو على موقعها كحليف استراتيجي للنظام، من خلال وجود عسكري دائم في قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، واستثمارات بمجالات الطاقة والبنية التحتية.
ومع سقوط النظام المخلوع في سوريا، لم تغادر روسيا موقعها كفاعل أساسي، بل شرعت في تعديل أدواتها وسياساتها لضمان استمرار نفوذها، ولكن وفق شروط المرحلة الانتقالية الجديدة.
وعندما قررت موسكو التدخل العسكري المباشر في سوريا عام 2015، كان الهدف المعلن هو دعم “الحرب على الإرهاب”، لاسيما مع وجود عناصر من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ضمن بعض الفصائل المسلحة التي كانت تنشط ضد نظام الأسد، حتى بات تدخلها يخدم النظام في استمراره بسدة الحكم، والآن تجد موسكو نفسها أمام واقع سياسي جديد يستدعي إعادة تموضع حذِر.
اقرأ أيضاً: روسيا وسوريا الجديدة.. تعاون مشروط أم قطيعة حتمية؟ – 963+
تكيف وإعادة ترتيب
قال اللواء محمد عبد الواحد، الخبير في شؤون الأمن القومي والعلاقات الدولية في العدد العاشر من صحيفة “963+”، إن العلاقة بين روسيا والحكومة السورية الانتقالية هي “علاقة براغماتية تتسم بالحساسية المفرطة وتغلب عليها المصالح”.
وأضاف أن دمشق وموسكو تسعيان حالياً إلى “إعادة ترتيب العلاقات الاستراتيجية في ضوء المتغيرات السياسية وموازين القوى الجديدة، خاصة في ظل تراجع نفوذ أطراف إقليمية كإيران وحزب الله، وبروز دور أمريكي متجدد”.
وبحسب عبد الواحد، هناك مفاوضات مستمرة بين موسكو ودمشق لإعادة تعريف الدور الروسي، ويتابع “الحكومة الانتقالية حريصة على الحفاظ على علاقاتها مع روسيا، ولكن دون الإخلال بعلاقاتها مع الغرب والدول العربية الداعمة لها، حيث إن سوريا تدرك أهمية الدور الروسي داخل مجلس الأمن، خاصة في التصويت على العقوبات أو قرارات الحماية الدولية”.
أما من حيث التدخل العسكري، فيؤكد عبد الواحد أن روسيا “بدأت بالفعل تقليص وجودها العسكري منذ سنوات، نتيجة الضغط الذي فرضته الحرب في أوكرانيا، إلا أن القواعد الاستراتيجية كقاعدة حميميم وطرطوس ما زالت فاعلة، ولا تزال بنداً أساسياً في العقود الروسية – السورية”.
ويشير إلى أن “الحفاظ على القواعد العسكرية والاستثمارات الروسية في قطاعي النفط والغاز، بالإضافة إلى النفوذ السياسي، هي الأهداف الرئيسية، مع تقليل الانخراط العسكري المباشر لصالح أدوات دبلوماسية واستخباراتية مرنة تتماشى مع شكل النظام الجديد، خاصة أن موسكو تتجه نحو تغيير أدواتها داخل سوريا، من الدعم العسكري المباشر إلى التفاوض والديبلوماسية”.
ويضيف خبير العلاقات الدولية، “روسيا تدرك صعوبة الحفاظ على كافة مكتسباتها في ظل التغييرات المتسارعة، لذلك تسعى إلى تكييف علاقتها مع الواقع السوري الجديد، خاصة مع تزايد الضغوط عليها، سواء في ملف تسليم بشار الأسد، أو ملف إعادة الإعمار الذي قد يشهد تنافساً دولياً محتدماً، في وقت تعاني فيه موسكو من أقسى موجة عقوبات اقتصادية في تاريخها الحديث”.
اقرأ أيضاً: روسيا تستبعد التطبيع بين تركيا وسوريا – 963+
أبرز مصالح روسيا
يقدّم الدكتور آصف ملحم، مدير مركز “جي إم إس” للأبحاث والدراسات والمقيم في موسكو، قراءة مباشرة لموقف روسيا من سوريا بعد سقوط النظام المخلوع، قائلاً: إن “العلاقة الحالية يمكن وصفها بأنها علاقة مسايرة للأمر الواقع، هدفها الأول الحفاظ على مصالح موسكو الاستراتيجية في المنطقة، وليس دعماً لشخصيات أو أنظمة”.
وأضاف ملحم في تصريحات للعدد ذاته من الصحيفة، أن من بين أبرز المصالح التي تسعى موسكو للحفاظ عليها القواعد العسكرية في طرطوس واللاذقية، والتي تضمن لروسيا موطئ قدم دائم في المياه الدافئة، ومنع التمدد التركي داخل سوريا، لما لذلك من تداعيات إيديولوجية وأمنية ترتبط بجماعات تدعمها أنقرة وتمتد حتى آسيا الوسطى والقوقاز، مع الحد من النفوذ الغربي، وضمان بقاء روسيا لاعباً مركزياً في صياغة مستقبل سوريا السياسي”.
ويرى ملحم أن السلطات السورية الانتقالية “أخطأت حين اعتقدت أنها قادرة على الضغط على روسيا عبر إعادة النظر في الاتفاقيات السابقة”، مؤكداً أن موسكو تملك “أوراق قوة كثيرة، بينها إمكانية التعاون مع دول عربية أو حتى إسرائيل للضغط المضاد”.
ويختم حديثه بتوصيف العلاقة بين موسكو ودمشق بأنها “براغماتية، تحكمها موازين القوى والمصالح لا العواطف”، مؤكداً على “بقاء روسيا حاضرة سياسياً وعسكرياً بمرونة ودقة، مهما تغيّر شكل السلطة في سوريا”.
نشرت هذه المادة في العدد العاشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 9 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد العاشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










