شكل إعلان المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس برّاك عن زيارة مرتقبة للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن في 10 نوفمبر/تشرين الثاني، ولقاء الرئيس دونالد ترامب، جدلاً في الأوساط السياسية حول ماهية الزيارة والتي سيلتقي فيها الرئيس الأميركي كأول رئيس سوري في البيت الأبيض، لتوقيع انضمام دمشق إلى قوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب.
وعلى الرغم من الأجندة السياسية التي أعلنها المبعوث الأميركي في إطارها العام، تشكل الزيارة بالنسبة لدمشق فرصة حقيقية لحل العديد من الملفات العالقة ذات الارتباطات الإقليمية، والتي تُصنف على أنها أبواب مغلقة، وحده ترامب من يمتلك مفاتيحها، لا سيما مسار التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب، واندماج قوات سوريا الديموقراطية “قسد” ضمن الجيش السوري، وتطبيق “خارطة طريق السويداء”، ورفع العقوبات “قيصر” عن سوريا، وجميعها ملفات لواشنطن الكلمة الرئيسية، والفصل فيها.
امتداد عسكري
شكلت زيارة الشرع إلى روسيا منعطفاً جديداً في التحالفات الدولية بالنسبة لسوريا، والتي تراها دمشق نوعاً من التوازن السياسي الدولي، فيما لا تراها واشنطن كذلك، حيث تنظر لدمشق بعد سقوط نظام الأسد على أنها ذراع جديدة في تطويق المشروع الإيراني من جهة العراق ولبنان، وتقليص التواجد الروسي على الأراضي السورية، وعليه مع انضمام سوريا إلى قوات التحالف الدولي، سيُرفع بشكل تلقائي اسم سوريا عن لائحة الدول الراعية للإرهاب، وتصبح مرتبطة عسكرياً، وأمنياً بالمعسكر الغربي الذي تخشاه موسكو، وتتعامل معه بحذر، إضافة إلى تحويل دمشق لرصاصة حاضرة في حال تمدد النفوذ الإيراني على الحدود مع العراق، أو لبنان، والتي ترتفع فيها احتمالية شن ضربات عسكرية لما تبقى من “حزب الله”.
وعلى الرغم من الالتزامات السورية تجاه التحالف، إلا أن ذلك يعزز ذلك من قوتها عسكرياً، ويفتح الباب لحصولها على البرامج التدريبية، والأسلحة المتطورة، ويقدم لها غطاء سياسياً في المنطقة من الهجمات الإسرائيلية -إلى حد ما-الأمر الذي يعطيها ثقلاً في التعامل مع الملفات الداخلية كونها شريكاً موثوقاً لأميركا.
وحول قسد، لا يبدو أن واشنطن ماضية في الضغط على الإدارة الذاتية للاندماج بشكل سريع، إذ يشكل دخول سوريا في قوات التحالف شكلاً جديداً لبنية الجيش تحت إشراف قوات التحالف، التي من المحتمل أن تكون شريكاً رئيسياً في وضع خطة الاندماج العسكري لقسد في الجيش السوري من جهة، وضابطاً لإيقاع التصعيد التركي من جهة أخرى.
سوريا واسرائيل
لا شك أن الجلوس مع الرئيس دونالد ترامب للحديث حول المفاوضات مع اسرائيل يعني بالضرورة عدم الخوض في الجولان المحتل، والذي اعترف به ترامب اسرائيلياً خارج إطار الإرادة الدولية، وعليه ستركز واشنطن على الضمانات الأمنية التي ستقدمها دمشق لقبول اسرائيل توقيع التفاهم الأمني، على اعتبار أن سوريا باتت شريكاً جديداً لأهداف أميركية إسرائيلية مشتركة ذات الصلة بالنفوذ الإيراني، وعليه ستقدم دمشق خارطة جديدة في المفاوضات، قد تكون متعلقة بالاعتراف بوجود النقاط العسكرية الإسرائيلية جنوباً، وخطوات تنفيذية لحل الأزمة في محافظة السويداء، مرضية لكافة الأطراف، لاسيما وأن إسرائيل لن تتخلى عن الدروز كورقة للمساومة عليها في أي لحظة.
وفي هذا الإطار قد تذهب دمشق بشكل كبير في محاسبة مرتكبي الانتهاكات المنفذة بحق المدنيين، والذي طرحت اسرائيل العديد من تقاريرها حول الأحداث الدامية أمام ترامب كأسباب لتدخلها في السويداء.
قيصر وإسرائيل؟!
قد يبدو أن مساراً تشريعياً يمضي به التصويت على مشروع قانون رفع العقوبات عن سوريا، إلا أنه في حقيقة الأمر يرتبط بالعديد من العوامل السياسية ومنها إسرائيل، إذ يشكل اللوبي الإسرائيلي ثقلاً حقيقياً في الكونغرس، ولديه كتلة قوية في مجلس النواب، والتي تدرس في الوقت الحالي مشروع القانون بعد أن صوت عليه مجلس الشيوخ، وبالتالي سيكون مسار التفاهمات الأمنية مرتبطاً بشكل وثيق بصيغة التفاهمات الأمنية بين دمشق وتل أبيب.
إضافة إلى ذلك تعمل إدارة الرئيس الأميركي على إجراء العديد من الاتصالات للضغط على النواب المعارضين لرفع العقوبات عن سوريا، واقناعهم بضرورة التصويت، إذ يشير جدول الأعمال في زيارة الشرع لواشنطن إلى اجتماعات مكثفة أعدها فريق ترامب الرئاسي بين الرئيس السوري و”جيم ريش” رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، و”بريان ماست” رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، وذلك للإجابة على تساؤلاتهم، واستفساراتهم، في سبيل حث أعضاء الكونغرس على الموافقة دون أي تعديل على مشروع القرار.
وعليه تعكس الملفات السابقة الثقل الأميركي في سوريا، والذي يمكن تفسيره برسائل أرادت واشنطن إيصالها لحلفاء دمشق الرئيسين، بأن لا تفاهم ولا اتفاق، دون توجيه، ورعاية أميركية، وهو ما تعيه الإدارة في دمشق، ما يجعلها تعول بشكل كبير على طي العديد من الملفات خلال زيارة الرئيس الشرع لمالك المفاتيح الأميركي دونالد ترامب.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










