تمثل الأحكام القضائية التي صدرت مؤخراً في تونس بحق عدد من قيادات حركة النهضة الإسلامية، وفي مقدمتهم رئيس الحكومة الأسبق علي العريض، منعطفاً حاسماً في مسار المساءلة القانونية والسياسية، خصوصاً في ما يتعلق بما يُعرف إعلامياً بـ”ملف التسفير إلى بؤر التوتر”، وفي مقدمتها سوريا وليبيا. وتُعد هذه التطورات القضائية مؤشراً على مرحلة جديدة في التعاطي مع إرث حقبة ما بعد 2011، لا سيما ما يرتبط بدور حركات الإسلام السياسي في الداخل التونسي وتشابكاتها الإقليمية والدولية.
الأحكام القضائية الابتدائية، التي يُنتظر أن تُستأنف في مراحل لاحقة، تمثل خطوة متقدمة في ملاحقة من يُشتبه في ضلوعهم في شبكات التسفير التي نشطت خلال سنوات مضطربة، شهدت خلالها تونس موجات غير مسبوقة من انضمام شبابها إلى ساحات القتال، خصوصًا في سوريا. ويأتي هذا التطور في ظل متغيرات سياسية حادة، وسعي رسمي حثيث لفكّ الارتباط بين مؤسسات الدولة وبين من استغلها لتحقيق أجندات أيديولوجية تتجاوز الحدود الوطنية.
قضايا مترابطة
وفي هذا السياق، أكد الكاتب والمحلل السياسي التونسي مراد علالة، في تصريحات خاصة في العدد العاشر من صحيفة “963+”، أن ما يحدث اليوم لا يمكن فصله عن سلسلة من الملفات الأخرى المرتبطة بحركة النهضة وتنظيم أنصار الشريعة، ومن أبرزها ما يُعرف بـ”الجهاز السري”، وملفات تبييض الأموال، والجرائم الإرهابية، والاغتيالات السياسية.
ويشير علالة إلى أن المناخ السياسي الراهن، المتوتر بين الرئيس قيس سعيّد وتيارات الإسلام السياسي، يفرض على الرأي العام أن يفرّق بين التوظيف السياسي للقضاء، وبين الحاجة الحقيقية إلى محاسبة من تورطوا في جرائم تهدد أمن الدولة ومواطنيها.
ويرى علالة أن ملف التسفير يُعدّ من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية، بسبب تداخل الأبعاد المحلية والإقليمية فيه. ويوضح أن قيادات من الإسلاميين في تونس كانت تتولى وزارات سيادية خلال فترة حكم الترويكا، وعلى رأسها وزارة الداخلية، وهو ما أتاح لهم توظيف مواقعهم الرسمية لتسهيل انتقال الشباب إلى مناطق النزاع، تحت شعار “الانتصار للثورة” السورية.
كما يلفت إلى أن ارتباط حركة النهضة العقائدي والتنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين جعل من القضية السورية شأنًا داخليًا لدى الحركة، وأسهم في تورطها، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دعم الجماعات المسلحة.
ويشير إلى أن ما يُعرف بـ”مثلث التسفير”: ليبيا – تركيا – سوريا، شكّل المسار الأساسي لنقل المقاتلين، في ظل تواطؤ أو تساهل بعض الأجهزة الرسمية حينها.
اقرأ أيضاً: مقتل جندي تونسي بهجوم “مباغت” على الحدود مع ليبيا – 963+
معارضة المراجعات الرسمية وتضارب الأجندات
يضيف علالة أن الإسلاميين في تونس لم يتصرفوا كجزء من الدولة، بل كجماعة ذات أجندة عابرة للحدود، ويتجلى ذلك في رفضهم إعادة العلاقات مع سوريا، رغم الدعوات لذلك زمن التوافق مع الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي. وقد أسهم هذا الموقف في تأخير كشف خيوط ملف التسفير، ومنع المساءلة المبكرة للمتورطين.
من جانبها، اعتبرت النائبة التونسية فاطمة المسدي، في تصريحات لـ”963+”، أن الأحكام الأخيرة تمثل تحولًا نوعيًا في التعامل القضائي مع أحد أخطر الملفات التي طُويت أو أُخفيت لسنوات بفعل الضغوط السياسية.
وتؤكد المسدي أن هذه الأحكام لا تمثل مجرد إدانة لأفراد، بل محاكمة كاملة لمشروع الإسلام السياسي في تونس والمنطقة، مشيرة إلى أن ملف التسفير كشف حقائق صادمة عن آليات تجنيد الشباب التونسي وإرساله إلى مناطق الحروب، بدعم من تنظيمات كانت تهيمن على مؤسسات الدولة، وتخضع لأجندات خارجية.
وشددت المسدي على أن المسؤولية في هذا الملف لا تسقط بالتقادم، داعية إلى محاسبة كل من تورّط، سواء بالفعل أو بالإهمال، في ما تسبب في مآسٍ اجتماعية وكوارث إنسانية، من فقدان مئات العائلات لأبنائها، إلى الإساءة لسمعة تونس دوليًا، وتحويلها إلى مصدر رئيسي للمقاتلين الأجانب.
كما طالبت بتسريع وتيرة التحقيق في الملفات ذات الصلة، وعلى رأسها “الجهاز السري”، وتبييض الأموال، والاغتيالات السياسية، التي ترى أنها تشكل شبكة متكاملة استهدفت تقويض أسس الدولة الوطنية.
اقرأ أيضاً: “النهضة” التونسية بين الإخفاقات المتتالية وأفق حل التنظيم – 963+
درس من التجربة السورية
وفي تقييمه للمشهد الإقليمي، يرى مراد علالة أن التجربة التونسية لا يمكن عزلها عن النموذج السوري، حيث أفضت التدخلات الخارجية إلى انهيار الدولة الوطنية لحساب ترتيبات دولية معقدة.
ويحذّر من أن عودة الإسلاميين إلى السلطة في تونس باتت مستبعدة في الأمد القريب، ليس فقط بسبب الأوضاع القضائية، بل لأن التجربة السابقة منحت المجتمع مناعة سياسية ضد تكرار المشروع ذاته.
ويختم علالة بالإشارة إلى أن ملف سوريا، رغم تعقيداته، أسهم في فضح جوهر مشروع الإسلام السياسي، الذي وإن نجح في اختراق مؤسسات الدولة، إلا أنه فشل في أن يكون مشروعاً وطنياً جامعاً، بل زاد من الانقسامات الداخلية، وأضعف بنية الدولة الوطنية، وارتبط بتحالفات خارجية أثّرت على السيادة الوطنية.
وتمثل الأحكام القضائية في ملف التسفير محطة فارقة في المواجهة بين الدولة التونسية ومجموعة من الفاعلين الذين تجاوزوا حدود العمل السياسي التقليدي إلى إدارة موازية لمصير الناس. إنها مواجهة بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع الجماعة العابرة للحدود، ولحظة استحقاق لإعادة قراءة مرحلة كاملة من التاريخ التونسي، بما فيها من تحوّلات سياسية، وتدخلات إقليمية، وأخطاء استراتيجية لا تزال البلاد تدفع ثمنها حتى اليوم.
نشرت هذه المادة في العدد العاشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 9 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد العاشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










