كان المردود الاقتصادي للقطاع السياحي في سوريا قبل اندلاع الحرب يمثل نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، ووفّر فرص عمل لحوالي 11% من اليد العاملة، كما مثّل ما يقارب 23% من دخل البلاد من العملة الصعبة، ما يعكس دوره الحيوي في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز الإيرادات الوطنية.
وبعد اندلاع الحرب في العام 2011، تلقت السياحة في سوريا ضربة اقتصادية قوية، وخلال الأشهر الأولى من عام 2011، تراجعت السياحة بنسبة %60، وانخفض عدد الزائرين إلى سوريا بقصد السياحة إلى قرابة 3 ملايين سائح فقط، وتراجعت العائدات المالية للسياحة بنسبة 75%، واستمر هذا التراجع النسبي بشكل مطرد طيلة أيام الحرب في سوريا والتي صنفت ضمن الوجهات السياحية الخطرة.
إلا أن سقوط النظام السوري المخلوع في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، شكل حافزاً جديداً للاندفاع الاستثماري نحو سوريا لا سيما في قطاع الطاقة والسياحة وإعادة تأهيل البنى التحتية.
اقرأ أيضاً: ما بعد رفع العقوبات عن سوريا.. الاستثمار الزراعي والأمن الغذائي – 963+
وأعلن وزير السياحة في الحكومة السورية الانتقالية مازن الصالحاني عن مجموعة من الحوافز في القطاع السياحي والتي تشمل، إعفاءات ضريبية لمدة 10 سنوات للمشاريع السياحية الجديدة، وتخصيص 1,2 مليار دولار لإعادة تأهيل 75 فندقاً تاريخياً في دمشق وحلب، إضافة لاتفاقية مع تحالف سعودي-إماراتي لبناء 12 منتجعاً سياحياً على الساحل السوري باستثمارات أولية تقدر بـ 850 مليون دولار.
وفي نيسان/ أبريل الماضي، أعلنت مجموعة “تايجر” الإماراتية عن عزمها التقدم بطلب للحصول على ترخيص من أجل البدء ببناء “برج ترامب” في العاصمة السورية دمشق.
ونقلت صحيفة “الغارديان” لبريطانية عن وليد الزعبي رئيس مجموعة “تايجر” الإماراتية: “ندرس عدة مواقع، ونقترح بناء 45 طابقاً قابلة للزيادة أو النقصان حسب الخطة. وأضاف، أن “تكلفة البرج التجاري ستتراوح بين 100 مليون و200 مليون دولار، فيما يتوقع أن يستغرق ثلاث سنوات بمجرد حصوله على الموافقات القانونية من الحكومة السورية الانتقالية وحقوق مؤسسة ترامب التجارية”.
وتابع: “هذا المشروع هو رسالتنا، أن هذا البلد، الذي عانى واستُنزف شعبه لسنوات عديدة، وخاصة خلال السنوات الخمس عشرة الماضية من الحرب، يستحق أن يتخذ خطوة نحو السلام”. وبعد حصوله على رخصة البناء، سيحتاج الزعبي إلى التواصل مع علامة ترامب التجارية للحصول على حقوق الامتياز، في حين أن الاقتصاد السوري المدمر والبيئة السياسية الهشة قد تُعقّد المشروع، بحسب الصحيفة.
ويرى أستاذ القانون الدولي والمحامي الدكتور محمد حسام حافظ، أن السياحة ستكون من أكثر القطاعات قدرة على إعادة تنشيط الاقتصاد السوري بعد سقوط النظام، خاصة أن سوريا تملك من المقومات ما يجعلها واحدة من الوجهات السياحية الأكثر تميزاً في المنطقة. موقعها الجغرافي نادر فهي تتوسط ثلاث قارات، وقريبة من أهم الوجهات العالمية مثل تركيا واليونان ولبنان وقبرص، ما يعطيها ميزة استراتيجية لا تتوفر لكثير من الدول.
اقرأ أيضاً: الصناعة جاذبة للتدفقات الاستثمارية في سوريا – 963+
ويقول في تصريح لـ”963+”، أن التنوع الكبير في المناخ والتضاريس من البحر والساحل الرملي، إلى الجبال الخضراء والبادية والصحراء، يمنح البلاد قدرة فريدة على جذب أنواع مختلفة من السياحة. هذا التنوع لا يقتصر على الطبيعة، بل يشمل أيضاً الإرث الثقافي والديني الغني، من كنائس وبيوت عبادة تاريخية إلى مواقع إسلامية مقدسة، ومن مدن أثرية كدمشق وحلب وتدمر إلى معالم بيئية خلابة في الساحل والجبال.ويضيف، أن هناك رغبة حقيقية لدى السوريين في الداخل والخارج في تنشيط هذا القطاع لأنه مدخل مباشر لجلب العملة الصعبة وتوفير فرص عمل وتحريك الأسواق، كما أنه باب واسع لجذب الاستثمارات، سواء من السوريين في الشتات أو من المستثمرين الأجانب الراغبين في الدخول إلى قطاع واعد. وأن نجاح السياحة سيساهم في دعم الليرة السورية، وتخفيف العجز التجاري، وتنشيط قطاعات مثل النقل والبناء والصناعات التقليدية والطاقة، إلى جانب تعزيز البنية التحتية في المدن والريف على حد سواء.
بينما يؤكد أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في جامعة السوربون الفرنسية كميل الساري لـ “963+”، أن تحول سوريا إلى وجهة سياحية عالمية أمر وارد بسبب المقومات الكبيرة التي تمتلكها البلاد والتنوع الحضاري والثقافي والبيئي واختلاف الثقافات ووجود عدد كبير من المواقع الأثرية والسياحية.
ويشير إلى أن المفتاح الأساسي لاستقطاب السياح الراغبين في زيارة سوريا هو استباب الأمن والاستقرار التي عانت كثيراً بسبب الأوضاع الأمنية السيئة التي عاشتها طوال أكثر من عقد، وأن يتأكد السائح أن لا خطر يهدد حياته في حال زار أي مكان في سوريا.
وشهدت سوريا تحولاً استثمارياً لافتاً خلال الأسابيع الماضية التي تلت رفع العقوبات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، حيث أُعلن عن توقيع صفقات كبرى تجاوزت قيمتها الإجمالية 8,3 مليار دولار، مع توقعات باستثمارات تصل إلى 400 مليار دولار خلال السنوات القادمة. جاءت هذه الخطوات كرد فعل سريع من المستثمرين الدوليين والإقليميين لاستغلال الفرص الناشئة في اقتصاد يعيد بناء نفسه بعد 14 عاماً من الانهيار بسبب الحرب والعقوبات.










