دخلت الاحتجاجات التي عمّت 26 محافظة إيرانية، وانطلقت من بازار طهران أواخر ديسمبر 2025، مرحلة جديدة اتسمت بتصعيد سياسي خارجي بعد تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتدخل إذا قُمِع المتظاهرون، في وقت شهدت فيه مدن إيرانية عدة تظاهرات متزامنة. وردّت طهران سريعاً عبر تحذيرات رسمية من أي تدخل أميركي، معتبرة ذلك مدخلاً لفوضى إقليمية، ومؤكدة رفضها القاطع لأي وصاية خارجية، مع السخرية من “تجارب الإنقاذ الأميركية”.
ويكتسب الحراك دلالة خاصة لانطلاقه من البازار، أحد أعمدة التحالف التاريخي بين المال والمؤسسة الدينية، ما يعكس تآكل هذا الارتباط تحت ضغط العقوبات وانهيار العملة والأزمة الاجتماعية. وفي ظل تصاعد التوتر الأميركي ـ الإيراني واحتمالات توظيف إسرائيل للمشهد، تبدو سيناريوهات العمل العسكري رهينة التوقيت والحسابات السياسية أكثر من كونها قراراً وشيكاً.
سياسة ضرب الفروع
وفي هذا الإطار، يلفت الدكتور كمال الزغول، الباحث في الشؤون الدولية، إلى أن الولايات المتحدة الأميركية عادت مجدداً إلى اعتماد مبدأ “ضرب الفروع أولاً قبل الوصول إلى الأصل”، وذلك بهدف تخفيف الكلفة الاستراتيجية في حال قررت توجيه ضربة مباشرة لإيران في المستقبل.
ويوضح الزغول أن هذا النهج ليس جديداً، إذ برز بوضوح خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، حين استهدفت واشنطن مواقع في العراق، واغتالت قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وواصلت قصف مواقع في سوريا بشكل متكرر.
ويبيّن الزغول، في حديثه لـ”963+”، أن هذا المبدأ عاد إلى الواجهة اليوم في التعامل مع إيران، لا سيما بعد المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران التي استمرت نحو 12 يوماً، والتي أثبتت، بحسب تعبيره، محدودية جدوى ضرب “المركز” دون تحييد الفروع.
ويشير إلى أنه حتى لو أقدمت الولايات المتحدة على استهداف المفاعلات النووية الإيرانية، فإن النتائج ستبقى محدودة، لكون إيران تعاملت بحذر ونقلت اليورانيوم إلى مواقع أخرى، ما يجعل ضرب “الأصل” دون إنهاء “الفروع” خطوة غير محسوبة.
ويشدد على أن هذه الفروع تشكّل تهديداً مباشراً لإسرائيل، الحليف الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، محذراً من أن تركها فاعلة سيُبقي الشرق الأوسط في حالة فوضى مستمرة.
وفي هذا السياق، يوضح أن هذه الفروع كانت ولا تزال أدوات رئيسية لإيران في تصدير الثورة وتمرير سياساتها الخارجية، لافتاً إلى استمرار دعمها لـ”حزب الله” و”الحوثيين” وغيرهم.
ويضيف أن طهران، عندما شعرت بأن “حزب الله” قد يصل إلى مرحلة إنهاك خطِر، نسّقت معه للحد من التصعيد والقبول بتفاهمات غير مباشرة مع إسرائيل، بهدف الحفاظ على الحد الأدنى من قوته لاستخدامه مستقبلًا، معتبراً أن هذه الفروع تمثل “أحزمة دفاعية” وفق المفهوم العسكري، تسبق الوصول إلى المركز الإيراني.
ويخلص الزغول إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تعتمد سياسة “القاعدة إلى الهرم”، أي محاربة الفروع أولاً وإنهاءها تدريجياً.
ويلفت إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحصل، بعد كل زيارة إلى الولايات المتحدة، على ضوء أخضر لتنفيذ ضربات محددة في المنطقة.
ويستشهد بما جرى خلال الولاية الأولى لترامب، حين عُقدت اجتماعات أمنية رفيعة ضمت مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، وبحضور تمثيل روسي، أعقبها استهداف مباشر لأذرع إيران في المنطقة.
ضوء أخضر
وفي السياق ذاته، يشير إلى أن زيارة نتنياهو الأخيرة إلى فلوريدا ولقائه ترامب في “مارالاغو” أعقبها قصف إسرائيلي لمواقع داخل لبنان، رغم وجود تفاهمات مع “حزب الله”، ما يؤكد، بحسب رأيه، استمرار النهج نفسه.
ويشدد على أن السيناريو المرجّح يتمثل في استمرار استهداف الفروع أولاً، تمهيداً للضغط على إيران ودفعها نحو اتفاق. فإذا رضخت طهران لشروط تفاهم سياسي، فلن يكون هناك هجوم شامل، أما إذا استمرت في دعم حلفائها الإقليميين، فقد تتجه الأمور مستقبلًا نحو ضربة، مع التأكيد على أن القرار لم يُتخذ بعد.
ويضيف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما زال يضع أولوية لملفات أخرى.
ويوضح الزغول أن الهجوم على دول الشرق الأوسط لا يمكن مقارنته بما يحدث في أميركا اللاتينية، نظراً لاختلاف العقيدة والثقافة وطبيعة المجتمعات. فبينما تتمتع الولايات المتحدة بهيمنة شبه كاملة في أميركا اللاتينية، يتميز الشرق الأوسط “بثقافة مقاومة راسخة، ظهرت بوضوح في غزة وغيرها، حيث واجهت فصائل محلية قوى عسكرية كبرى لفترات طويلة”.
وفي ختام حديثه، يخلص الزغول إلى أن الولايات المتحدة تحاول حالياً ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران عبر استهداف “حزب الله” تدريجياً، وتهيئة الأرضية لتفاهمات في لبنان، مع إبقاء خيار ضرب إيران مطروحاً، لكنه مرهون بعوامل عدة، أبرزها الوضع الداخلي الإيراني، وحركة الشارع، ومدى تأثير أي ضربة على أسواق النفط والاقتصاد العالمي.
ويؤكد أن واشنطن تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، وتكتفي في المرحلة الراهنة بمنح إسرائيل ضوءاً أخضر لاستهداف الفروع، بانتظار قرار أوسع قد يتبلور في الأيام المقبلة.
الحماية الدولية
بينما يشير عبدالرحمن الحيدري، الناطق الرسمي للتيار الوطني العربي الديموقراطي في الأحواز، إلى اتساع رقعة المظاهرات والاحتجاجات في إيران لتشمل مدناً ومناطق متعددة، موضحاً في تصريحاته لـ”963+” أن تهديد ترامب بالتدخل في حال قمع المتظاهرين يستند إلى مبدأ “مسؤولية الحماية الدولية” المعتمد في القانون الدولي منذ عام 2005، والذي يحمّل المجتمع الدولي مسؤولية حماية المدنيين من الجرائم الجسيمة، ومنها الجرائم ضد الإنسانية.
ويلفت إلى أن التدخل العسكري المباشر قد يكون صعباً، إلا أن التجربة الأميركية الأخيرة في فنزويلا تؤكد أن التهديدات الأميركية ليست مجرد تصريحات، بل قد تتحول إلى خطوات عملية، مشيراً إلى أن الردود الإيرانية الحالية موجهة للاستهلاك الداخلي، في ظل إدراك النظام لجدية الموقف الأميركي.
ويبيّن الحيدري أن النظام الإيراني بات أمام خيارين مصيريين: إما السماح باستمرار الاحتجاجات، ما قد يؤدي إلى اتساعها وسقوط النظام، أو قمعها بالقوة، وهو ما قد يؤذن نحو مواجهة مع الولايات المتحدة.
ويوضح في ختام حديثه أن إسرائيل ترى في هذه الاحتجاجات فرصة لإضعاف إيران إقليمياً وتقليص نفوذها وبرامجها النووية والصاروخية.
ومن جانبه، يرى سالم الجميلي، مدير شعبة أميركا في المخابرات العراقية سابقاً، أن التصعيد اللفظي بين ترامب وطهران لا يمكن فصله عن منطق الردع، أكثر من كونه تمهيداً مباشراً لحرب شاملة.
ويوضح لـ”963+” أن تاريخ العلاقة بين الطرفين يُظهر أن التهديدات العلنية غالباً ما تُستخدم لتحسين شروط التفاوض أو لفرض ضغوط سياسية ونفسية، لا سيما في المراحل الانتخابية أو عند انسداد المسارات الديبلوماسية.
ويبيّن في هذا السياق أن خطر الانزلاق إلى مواجهة محدودة يظل قائماً، خصوصاً إذا ترافق الخطاب التصعيدي مع حوادث ميدانية غير محسوبة.
وفيما يتعلق بالاحتجاجات داخل إيران، لفت الجميلي إلى أنها تمثل عامل ضغط على النظام، لكنها لا تشكّل بحد ذاتها رافعة مباشرة لشن عمل عسكري خارجي ضد طهران.
ويوضح أن التجارب السابقة تشير إلى أن الأنظمة المأزومة داخلياً تميل إلى تشديد القبضة الأمنية وتجنّب الحروب الكبرى التي قد تُفاقم التصدّعات الداخلية. ومع ذلك، بيّن أن هذه الاحتجاجات قد تُستثمر في الحسابات الغربية والإسرائيلية كعنصر لإضعاف الخصم، لا كذريعة قانونية أو سياسية لشن حرب شاملة.
أما فيما يخص إسرائيل، يرى الجميلي أنها الطرف الأكثر استفادة من أي تصعيد محسوب أو مناخ توتّر مستدام مع إيران.
ويوضح أن تل أبيب تعمل منذ سنوات على توسيع “بنك أهدافها” الإيرانية، سواء داخل إيران أو عبر أذرعها الإقليمية، وقد توظّف تبادل التهديدات لتبرير عمليات استخبارية أو ضربات نوعية محدودة، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
ويلفت إلى أن إسرائيل تفضّل دائماً إدارة الصراع تحت عتبة الحرب الشاملة، مستفيدة من الغطاء الأميركي واستمرار الضغط الدولي على طهران.










