تمضي سوريا، بعد سقوط نظام الأسد الابن، على خيطٍ دقيق يتجلّى في تصاعد وتيرة التحوّلات السياسية العميقة التي تشهدها الأوضاع الإقليمية. وفي هذا السياق، تبدو علاقات دمشق بدول الجوار أبعد من دلالات خطوط الطول، وأعقد من حدود الجغرافيا ودوائر العرض، إذ يترقّب الجميع مآلات التعاون والاستثمار، وما تحمله من فرص واعدة مقابل مخاطر التهديدات الأمنية ومتطلباتها المعقّدة.
هذا التداخل المباشر بين الحسابات الأمنية والفرص الاقتصادية يعكس حقيقة طبيعة العلاقة بين سوريا وكلٍّ من الأردن ولبنان وتركيا، حيث يصعب الإحاطة بجانب واحد منها بمعزل عن الآخر، رغم الجوار الجغرافي والحدود المشتركة. ويعود ذلك إلى كثافة الملفات العالقة بين هذه الدول، وفي مقدّمتها قضايا ضبط الحدود، والحدّ من الأنشطة غير المشروعة، ومواجهة خطر الجماعات المتطرّفة العابرة للحدود، ومحاولة كبح تهديدها الإقليمي، بما يمهّد ـ نظرياً ـ لمسار تطبيع كامل بين سوريا ومحيطها الاستراتيجي. غير أنّ مواجهة هذه التحديات مجتمعة هي ما يسمح بأن تجد سوريا الجديدة نفسها داخل دائرة الاستقرار الحقيقي.
اقرأ أيضاً: بين الاستقرار الهشّ، التعقيدات الإقليمية، واحتمالات الفوضى.. ما الذي ينتظر سوريا؟ – 963+
بلورة السياسة
إلى ذلك، يقول الباحث في العلوم السياسية هيثم صالح في حديثه لـ”963+” إنّ “النظام السوري الجديد لا يزال في مرحلة بلورة سياساته تجاه دول الجوار، ولا سيما لبنان، في ظل واقعٍ معقّد ومتداخل تحكمه ملفات عديدة لم تُحسم بعد”.
ويضيف أنّ العلاقة اللبنانية–السورية اليوم تتسم بدرجة عالية من التشابك، بدءًا من ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية، مروراً بمسألة تعليق معاهدة التعاون والتنسيق الأخوي بين البلدين، وصولاً إلى الاختلاف في طبيعة العلاقة السياسية بين النظام السوري السابق والنظام الحالي مع الساحة اللبنانية، موضحًا أنّ النهج الجديد لم تتضح معالمه بعد، سوى من خلال زيارات محدودة ومواقف عامة غير حاسمة
ويشير الأكاديمي اللبناني إلى أنّ ملف النازحين والمهجّرين السوريين يُعدّ من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، إذ تتضارب التقديرات بشأن أعدادهم في لبنان، فيما تفيد المعطيات الأخيرة بعودة أعداد كبيرة منهم إلى سوريا خلال الأشهر الماضية. وأضاف أنّ ملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، المرتبطين بعمليات أمنية أو بمواجهات مع الجيش اللبناني، يطرح بدوره تحديات قانونية وإنسانية تحتاج إلى معالجة دقيقة ومتأنية.
ويلفت صالح إلى أنّ العلاقات بين بيروت ودمشق تمرّ حاليًا بمرحلة من الحذر والترقّب في أسلوب التعاطي المتبادل، مشيرًا إلى أنّ المسؤولين السوريين أكدوا أكثر من مرة عدم رغبتهم في التدخّل في الشأن اللبناني، واعتبارهم أنّ المرحلة الماضية أصبحت من الماضي في ظلّ المتغيّرات السياسية الجديدة.
ويوضح المصدر ذاته أنّه، ورغم تسجيل بعض المناوشات المحدودة على الحدود اللبنانية–السورية، وتأثير عوامل إقليمية عديدة، من بينها التنافس التركي–الإسرائيلي على الساحة السورية، فإن السيناريو الأرجح يتمثّل في استبعاد أي تدخل مباشر للنظام السوري الجديد في الداخل اللبناني، حتى في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين لبنان وإسرائيل.
ويشير في هذا السياق إلى احتمال قيام بعض الفصائل غير المنضبطة بتصرفات منفردة خارج قرار الدولة السورية، كما حصل في أحداث السويداء، في ظل التداخلات الإقليمية وتشابك ساحات الصراع.
ويختم صالح بالقول إنّ الملفات العالقة بين لبنان وسوريا مرشّحة للاستمرار لفترة غير قصيرة قبل بلوغ تسويات فعلية، في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على تحوّل جذري أو تدخل مباشر يمكن أن يغيّر مسار العلاقة الثنائية في المدى المنظور.
قوى مختلفة
بينما تقول الأكاديمية الأردنية آمال الجبور في حديثها لـ”963+” إنّ سوريا تشهد اليوم مرحلة جديدة تتغيّر فيها طبيعة علاقاتها مع دول الجوار: الأردن ولبنان وتركيا.
وتشير الجبور إلى أنّ الحدود السورية لم تعد مجرّد خطوط طول وعرض على الخريطة، بل باتت تكشف عن أوجه نفوذ لصالح قوى مختلفة، فضلًا عن وجود جماعات جهادية متعددة تنشط في عدد من المناطق الحدودية.
وتلفت إلى أنّ إسرائيل تستغل هذا الواقع لتبرير تدخلها العسكري في الجنوب السوري، كما حدث مؤخرًا في منطقة بيت جن، إضافة إلى إثارة التهديدات التي تطاول بعض المكوّنات الاجتماعية، ولا سيما أبناء الطائفة الدرزية، بما يحمله ذلك من تبعات أمنية تطال الداخل السوري ودول الجوار على حدّ سواء.
وتشدّد الجبور على أنّ العلاقة الحالية بين سوريا ودول الجوار تقوم على مزيج معقّد من الفرص الاقتصادية والمخاوف الأمنية. فتعليق الولايات المتحدة تطبيق قانون “قيصر” لمدة أربع سنوات، بحسب قولها، منح دمشق فرصة لإعادة إنعاش اقتصادها وفتح الباب أمام عودة الحركة التجارية والاستثمارات، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على الدول المجاورة التي تعتمد في جزء من اقتصادها على المعابر المشتركة والتبادل التجاري.
غير أنّها أكّدت في المقابل أنّ المخاوف الأمنية ما تزال حاضرة، في ظل استمرار نشاط الجماعات المتطرفة، وعدم بسط الدولة السورية سيطرتها الكاملة على الحدود، ما يدفع الدول المجاورة إلى التعامل مع دمشق بحذر واضح؛ إذ تقابل الرغبة في التعاون الاقتصادي حالةٌ من القلق المتزايد من التهديدات الأمنية المحتملة.
وتوضح الجبور أنّ المشهد المستقبلي للعلاقات السورية مع دول الجوار قد يسير وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية: “السيناريو الأكثر ترجيحاً: الانفتاح الحذر ويمثّل عودة تدريجية للتجارة واستئناف بعض المشاريع المشتركة، مع الإبقاء على رقابة أمنية مشدّدة على الحدود. سيناريو الاستقرار المشروط؛ حيث يتوسّع التعاون الاقتصادي مقابل التزام دمشق بضبط الحدود ومنع عمليات التهريب والتسلل، وهو ملف معقّد نظرًا لتداخل أطراف عدّة فيه. سيناريو التدهور الأمني؛ في حال تجدد نشاط الجماعات المتشددة، أو تصاعد الضربات الإسرائيلية الاستفزازية ضد سوريا ولبنان، ما قد يعرقل أي مسار للتعاون الاقتصادي ويعيد العلاقات إلى دائرة الجمود”.
ونوّهت الجبور إلى أنّ الأردن يُعدّ المثال الأوضح على هذا التحوّل في طبيعة العلاقة، إذ كان من أكثر الدول تضرّراً من الفوضى التي سادت جنوب سوريا، سواء عبر عمليات تهريب المخدرات أو محاولات تسلل الجماعات المتطرفة عبر الحدود.
وتشير إلى أنّ الأردن، ومع تغيّر الواقع الميداني داخل سوريا، بات ينظر بجدية إلى أي فرصة تسهم في إعادة الاستقرار إلى الجنوب السوري، إذ يدعم الجهود الرامية إلى ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، والحدّ من مخاطر التطرف، كما يأمل في عودة النشاط التجاري عبر المعابر البرية واستئناف مشاريع النقل والطاقة والتبادل السلعي بين البلدين.
وتؤكد أنّ عمّان تتعامل اليوم مع دمشق بروح مختلفة، بعدما انتقلت العلاقة من حالة من القلق والترقّب إلى نهج يقوم على التعاون وحماية المصالح المشتركة.
وتختم الجبور بالقول إنّ المرحلة المقبلة من العلاقات بين سوريا وجوارها ستقوم على توازن دقيق بين فرص اقتصادية واعدة ومخاطر أمنية قائمة، فإذا ما تمكّنت دمشق من فرض سيطرتها على الحدود وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة، فقد تدخل المنطقة مرحلة أكثر استقرارًا تمهّد لبناء علاقات إقليمية جديدة أكثر واقعية وبراغماتية تصب في مصلحة الجميع.
يبدو منطقياً، عند استقراء مستقبل علاقة سوريا الجديدة بجيرانها، ربط هذا الأفق بعدد من العوامل الأساسية التي تمهّد للانتقال من منطق الصراع والتبعية السياسية إلى منطق البراغماتية الأمنية القائم على مصالح وظيفية متبادلة. ويستقر العامل الأمني، خاصة خطر الجماعات العابرة للحدود والجريمة المنظمة، كأبرز عنصر مؤثر في ديناميات العلاقة بين سوريا ومحيطها في لبنان والأردن وتركيا. ولا تعني هذه المتغيرات قيام تحالفات استراتيجية نهائية، بل تميل العلاقات إلى تعاون تكتيكي تدريجي ومشروط.
اقرأ أيضاً: الديبلوماسية السورية.. البحث عن توازنات وسط صراع نفوذ إقليمي ودولي – 963+
ورقة ضغط
بدوره، يلفت الباحث التركي إسلام أوزكان، في تصريحاته لـ”963+”، إلى أنّ المشهد الإقليمي المحيط بسوريا يشهد تحولاً جذرياً في طبيعة العلاقات بين دمشق وجيرانها، ولا سيما لبنان والأردن وتركيا، عقب زوال نفوذ النظام السابق وصعود قوى جديدة إلى واجهة المشهد. ولم تعد ورقة الضغط الرئيسية في هذه العلاقات تتمثل في التهديدات “التجارية” أو أشكال التبعية السياسية، بل بات الهاجس الأمني المرتبط بخطر التهديد “الجهادي” العابر للحدود هو المحرك الأساسي، والقوة الدافعة التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
ويرى أوزكان أنّ هذا التحوّل يفرض على دول الجوار إعادة تعريف علاقاتها مع سوريا، بحيث تنتقل من منطق التنافس والاحتواء إلى إطار يقوم على علاقات مصالح أمنية مشتركة وضرورية، تفرضها تحديات الاستقرار الإقليمي ومتطلبات الأمن الداخلي لكل دولة.
ويستطرد أوزكان قائلًا إنّ العلاقة مع لبنان تُعد الأكثر حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتراكمات الماضي الثقيلة التي تتطلب جهداً كبيراً لتجاوزها. إلا أنّ التحدي الأمني المستجد يفرض واقعًا مختلفًا، إذ تجعل هشاشة الحدود المشتركة من التعاون الأمني ضرورة ملحّة لا خياراً سياسياً. ويتمثّل الهدف المشترك اليوم في ضبط عمليات التسلل ووقف أنشطة التهريب، ولا سيما التصدي للجماعات المتطرفة التي تتخذ من بعض الجيوب الحدودية ملاذًا لها. ومن المرجح أن يتجه الطرفان نحو صيغة تعاون أمني براغماتي غير معلن، غايته الأساسية حماية الاستقرار الداخلي في البلدين.
وفي هذا السياق، يشير أوزكان إلى تراجع محتمل في نموذج الوصاية السورية المباشرة على لبنان، مقابل محاولات لإعادة بناء علاقات طبيعية قائمة على مبدأ الندية واحترام السيادة اللبنانية، بدعم من المساعي الخليجية الهادفة إلى تثبيت الاستقرار في بيروت وملء الفراغين السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، تبقى قضية النازحين السوريين إحدى أعقد الملفات، إذ تتطلب تنسيقًا مشتركًا يضمن عودتهم الطوعية والمنظمة إلى ديارهم.
ويرجّح الباحث التركي أنّ الأردن الأقرب إلى بناء علاقة مستقرة مع القيادة السورية الجديدة، مدفوعًا بهاجس أمني واقتصادي واضح يتقدّم على أي اعتبارات سياسية أخرى. فعمّان تركز بشكل أساسي على تشديد ضبط الحدود، ومنع تسلل الجماعات المتطرفة، إلى جانب مكافحة تهريب المخدرات. وقد يتطور هذا التنسيق القائم إلى شكل من التحالف الإقليمي غير المعلن الهادف إلى تأمين الجنوب السوري، في ظل المخاوف الأردنية من تمدد أي تهديد جهادي يطال أمنها الوطني بشكل مباشر.
اقتصادياً، يسعى الأردن إلى إحياء دوره كبوابة تجارية رئيسية لسوريا والمنطقة عبر إعادة فتح المعابر الحدودية وتسهيل حركة البضائع، وهو تعاون يشكّل ركيزة أساسية لاستدامة الاقتصاد في البلدين. كما ستكون عمّان شريكاً محورياً في أي جهود إعادة إعمار مستقبلية داخل سوريا.
ويخصص أوزكان جزءاً مهماً من حديثه لتركيا، التي يصفها بالفاعل الأكثر انخراطاً عسكرياً وأمنياً في الشمال السوري. ويرتبط مستقبل العلاقة بين أنقرة ودمشق بتحقيق المصالح الأمنية التركية الأساسية، ولا سيما ما يتصل بالملف الكردي. كما تمثّل قضية عودة اللاجئين السوريين في تركيا بشكل آمن ومنظم مطلبًا تركيًا حيويًا، ستستخدمه أنقرة كورقة ضغط أساسية في المفاوضات حول تطبيع العلاقات مستقبلًا. ومن المرجح أن تتسم العلاقة المقبلة على الجانب التركي بطابع براغماتي واقعي، يرتكز على المصلحة المشتركة وتجنّب التصعيد، مع السعي لبناء منظومة أمنية واقتصادية تخدم الأهداف الاستراتيجية لكلا البلدين في مواجهة التحديات المتغيرة.
ويخلص أوزكان إلى أنّ السيناريو الأرجح يتمثّل في تعاون أمني براغماتي بطيء ومشروط بين سوريا وجوارها الإقليمي، تدفعه المصلحة الذاتية لكل دولة للحفاظ على أمنها الداخلي في مواجهة خطر التهديد “الجهادي” العابر للحدود، وهو ما سيؤدي في المحصلة إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية المحيطة بسوريا خلال المرحلة المقبلة.










