في وقت تسعى فيه معظم دول العالم إلى خلق بيئة استثمارية مستقرة تشجع الصناعيين والتجار على تأسيس مشاريع جديدة، تواجه سوريا ظاهرة استثنائية باتت تشكل عائقاً رئيسياً أمام أي محاولة لجذب المستثمرين، هذه الظاهرة تتمثل في إعادة تقييم وتحصيل الضرائب عن سنوات مالية سابقة تم تصفيتها وحصل أصحاب المشاريع على براءة ذمة مالية بها، وذلك بعد أن كان من المفترض أن تنهي هذه البراءة كل التزاماتهم الضريبية.
ويقول عدد من الصناعيين والتجار في تصريحات لـ”963+” إن هذا الإجراء غير المسبوق مثّل صدمة لهم، وخفّض من حماستهم للاستثمار من جديد أو توسيع نشاطاتهم، حيث يشعرون بأنهم في دوامة لا نهاية لها من تحمل أعباء مالية متكررة على حساب استثماراتهم وتوظيف العمالة.
اقرأ أيضاً: رسوم جديدة على السوريين في تركيا: بين ضغوط اقتصادية وتراجع الدعم الأوروبي – 963+
شهادات من الصناعيين والتجار
يقول محمد علي، صاحب مصنع نسيج في دمشق لـ”963+”: “دفعت ضرائب سنوات 2020-2022 وحصلت على براءة ذمة، لكن الآن يطالبونني بإعادة تقييمها بمبالغ إضافية تفوق الملياري ليرة، فكيف أفكر في توسيع المصنع أو توظيف 50 عاملاً جديداً؟ هذا يقتل أي طموح استثماري”.
أما محمد الخالد، تاجر مواد بناء في حلب، فيضيف لـ”963+”: “بعد تصفية الحسابات، جاءت إشعار بضرائب سابقة بسبب ‘إعادة تقييم’، مما دفعني لتقليص نشاطي بنسبة 40% وتسريح عمال، فالمستثمر يبحث عن استقرار لا عن مصيدة مالية”.
ويشهد رائد أعمال في غرفة الصناعة: “لا دولة تعيد الضرائب بعد براءة الذمة، هذا خاص بسوريا ويطرد الاستثمار الأجنبي الذي كان يُروَّج له بمعدلات ضريبية منخفضة 10-15%”.
أثر الظاهرة على مناخ الاستثمار وفرص التشغيل
يقول الخبير الاقتصادي محمد العابد في تصريحات لـ”963+” إن “إعادة فرض ضرائب على سنوات سابقة قد تم الانتهاء من تسويتها يجعل المستثمر أمام مخاطرة مالية متجددة وغير مضمونة، ما يفسر التردد في إنشاء مصانع أو ورش جديدة، هذا بدوره يؤثر بشكل مباشر على فرص تشغيل العاطلين عن العمل، ويضعف من قدرة الاقتصاد الوطني على زيادة الإنتاج وتحقيق التنمية”.
ويضيف: “وفي حين أن بعض الدول تعتمد نظاماً شفافاً وواضحاً للضرائب لا يسمح بإعادة مراجعات ضريبية عن سنوات سابقة بعد إغلاق الملف، تُعتبر الحالة في سورية استثناءً حيال ذلك، وهو ما يخلق مناخاً من عدم اليقين القانوني والاقتصادي، وهذه الظاهرة تعكس خللاً في النظام الضريبي وغياب آليات الحوكمة والشفافية في تحصيل الضرائب، كما أنها تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول حقوق المكلفين وحماية المستثمرين”.
ويختم العابد حديثه بأن إصلاح هذا النظام وتبني سياسات ضريبية واضحة ومشجعة يبقى ضرورة ملحة لإنعاش الاستثمار وتحقيق العدالة الضريبية، وهو ما يتطلب تدخل السلطات المعنية لوضع حد لسياسة “إعادة تقييم الضرائب عن سنوات سابقة تم تصفيتها” حتى تستعيد سوريا تنافسيتها في جذب المستثمرين ودعم الاقتصاد الوطني.
اقرأ أيضاً: مسؤول سوري: 1600 منشأة صناعية عادت للعمل منذ ديسمبر 2024 – 963+
خلل في النظام الضريبي.. يهز الثقة
رغم الإصلاحات الضريبية المعلنة من قبل وزارة المالية السورية لتبسيط النظام وجذب الاستثمار، تظل ممارسة إعادة تقييم الضرائب عن سنوات سابقة تم تصفيتها، تشكل عائقاً رئيسياً أمام الصناعيين والتجار، مما يثير تساؤلات حول فعالية هذه الإصلاحات في بناء الثقة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي محمود عداي في تصريحات لـ”963+” أنه لا يوجد أي دولة بالعالم بعد أن يقوم التاجر والصناعي بتصفية الضرائب المالية ويحصل على براءة ذمة مالية يتم إعادة فرض ضرائب عليه مرة ثانية عن سنوات سابقة تم دفعها وتصفيتها بظاهرة غير موجودة سوى لدينا، وأن نجاح أي إصلاح ضريبي يعتمد على الحوكمة والشفافية، لكن غياب هذه العناصر يعمق عدم اليقين ويمنع جذب رؤوس الأموال، خاصة مع ارتفاع العبء الضريبي الذي يصل إلى 52-55% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الفترات.
ويُظهر التحليل الاقتصادي أن هذه الممارسة تزيد من التهرب الضريبي وتقلل الإنتاج، حيث يعيق تعقيد النظام الاستثمار الخاص وإعادة الإعمار الذي يحتاج إلى 250-500 مليار دولار، كما أن العبء الضريبي العالي يضعف النمو وفرص التشغيل، مع اقتراحات لإعادة تقييم دورية كل 5-6 سنوات لكن دون إعادة فرض على المُصفَّى، لأن إعادة تقييم الضرائب لسنوات سابقة تم تصفيتها يعني دعم للمستوردات البديلة على حساب المنتج الوطني وهذا يعني تراجع بقدرة الصناعة الوطنية على منافسة البدائل المستوردة ومعه زيادة الطلب على الدولار وارتفاع سعره وزيادة البطالة وتراجع الطلب على المنتج الوطني وتصفيته، بحسب عداي.
ويضيف: “مما سبق نستنتج ضرورة وجود إصلاح حقيقي بمشاركة القطاع الخاص في لجان لضمان عدالة تضمن زيادة الإنتاج وتوظيف العاطلين بدلاً من طردهم، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة”.










