في كثير من الأحيان، لا يحتاج العنف إلى قبضة يد أو أثر ضربة ليكون مؤلماً. فثمة عنفٌ صامت، متخفٍّ، يتسلّل إلى حياة المرأة دون أن يترك علامة على جسدها، لكنه يحفر عميقاً في روحها ووعيها. إنه العنف النفسي، ذلك النوع الذي يصعب رصده، ويُساء فهمه، ويُستهان بتأثيره، رغم كونه من أخطر أشكال الأذى الإنساني.
تعرّف الكاتبة والناشطة الفكرية سوسن سلماوي في حديثها لـ”963+” العنف النفسي بأنه كل سلوك يُضعف الإنسان من الداخل، سواء تمثّل في كلمة جارحة متكررة، أو تحقير، أو تهديد، أو سيطرة، أو تجاهل مقصود. وتؤكد أن خطورته تكمن في كونه لا يترك كدمات ظاهرة، بل يخلّف شقوقاً عميقة في الروح. فالجراح الجسدية قد تلتئم مع الوقت، أما حين يُقنع الإنسانُ الآخرَ بأنه بلا قيمة، فإن آثار ذلك قد ترافقه لسنوات طويلة، وربما مدى الحياة.
وتشير سلماوي إلى أن أحد أخطر جوانب العنف النفسي هو قدرته على التخفي خلف عبارات وسلوكيات تبدو للوهلة الأولى طبيعية أو حتى محبّة. فكثيراً ما يُغلّف الإيذاء النفسي بعبارات من قبيل: “أنا أمزح”، “أغار عليك”، “أريد مصلحتك”. ومع تكرار هذه الممارسات، تبدأ المرأة بالتشكيك في إحساسها، فتسأل نفسها إن كانت تبالغ أو تسيء الفهم، بدل أن تسأل السؤال الأهم: لماذا أتألم؟
وتضيف أن النساء غالباً ما تربّين على الصبر وتحمل الأذى، وعلى تقديم الآخرين على أنفسهن، ما يجعلهن أكثر عرضة لقبول هذا النوع من العنف، أو إنكاره، أو التعايش معه باعتباره جزءاً طبيعياً من العلاقات الإنسانية.
اقرأ أيضاً: المرأة والألعاب الإلكترونية: حضور متنامٍ في عالم تنافسي – 963+
المجتمع شريك غير معلن
لا يتوقف العنف النفسي عند حدود العلاقة الخاصة، بل يجد بيئة حاضنة في المجتمع ذاته. فحين يُطلب من المرأة الصبر على الإهانة حفاظاً على الأسرة، أو حين يُبرَّر التحكم والسيطرة باسم الحب، أو يُسخر من “حساسية” المرأة الزائدة، يصبح العنف النفسي سلوكاً مُطبّعاً معه اجتماعياً.
وترى سلماوي أن هذا التطبيع هو أحد أخطر أشكال العنف، لأنه لا يُمارس من فرد واحد فحسب، بل من منظومة كاملة تشرعن الأذى وتُسكت الضحية، ما يجعل المرأة تشعر بالذنب لمجرد اعتراضها أو رفضها.
ويتخذ العنف النفسي أشكالاً متعددة داخل الأسرة أو العلاقة العاطفية. فقد يظهر في التقليل المستمر من الشأن، أو السخرية، أو المقارنة بالآخرين، أو العزل عن الأصدقاء والمحيط الاجتماعي، أو السيطرة على القرارات الشخصية، أو التلاعب بالمشاعر عبر اللوم المستمر وبث الشعور بالذنب. وفي أحيان كثيرة، يكون التهديد بالهجر أو الفضيحة، أو حتى الصمت العقابي، أشد قسوة من الكلمات الجارحة.
وتلفت سلماوي إلى أن هذه الممارسات، حين تتكرر، لا تكون مجرد خلافات عابرة، بل تتحول إلى نمط من الإيذاء المنهجي الذي يهدف إلى إخضاع المرأة وسلبها ثقتها بنفسها.
وأثر العنف النفسي طويل الأمد لا يظهر فجأة، بل يتسلّل ببطء. تبدأ المرأة قوية وواثقة، ثم شيئاً فشيئاً تبدأ بالشك في نفسها، وفي ذاكرتها، وفي قدرتها على اتخاذ القرار. وقد تصل إلى مرحلة تشعر فيها بأنها لا تستحق الأفضل، أو أنها السبب في كل ما يحدث لها.
وتحذّر سلماوي من أخطر نتائج هذا النوع من العنف، وهو أن تتبنّى الضحية صوت المعتدي داخلها، فتتحول الإهانة الخارجية إلى جلد ذاتي داخلي لا يتوقف.
اقرأ أيضاً: العنف ضد المرأة.. انتهاك متجذّر يهدد المجتمعات – 963+
حين تتحول المرأة إلى معَنِّفٍ لنفسها
في سياق متصل، تشير سلماوي إلى أن المرأة قد تمارس العنف النفسي على نفسها، نتيجة التربية أو الضغط المجتمعي. فحين تكبر وهي تسمع أنها “ناقصة” أو “عبء” أو “أقل شأناً”، تتحول هذه الرسائل إلى خطاب داخلي قاسٍ. تبدأ بتقليل إنجازاتها، وتوبيخ ذاتها، ومنع نفسها من الفرح، وكأنها تواصل العنف ولكن بصوتها الداخلي.
وتطرح سلماوي تساؤلاً مؤلماً حول سبب عدم تصديق الضحايا في كثير من الأحيان، لتجيب بأننا نعيش في ثقافة لا تعترف بالألم إلا إذا كان مرئياً. فما لا يُوثَّق بصورة أو تقرير طبي، يُشكك فيه أو يُقلّل من شأنه. كما أن الاعتراف بالعنف النفسي يفرض على المجتمع مواجهة حقائق غير مريحة، فيختار البعض الطريق الأسهل: إنكار الضحية.
وتؤكد سلماوي أن طلب المساعدة يجب أن يبدأ حين تشعر المرأة بأنها لم تعد كما كانت، حين تخاف من التعبير عن نفسها، أو تعيش في قلق دائم وشعور مستمر بالذنب، أو حين تسمع صوتاً داخلياً يجلدها بلا رحمة. فطلب المساعدة، بحسب قولها، ليس ضعفاً، بل شجاعة ووعي بالذات.
وتلعب وسائل الإعلام دوراً محورياً في التعامل مع قضايا العنف النفسي. وتشدد سلماوي على ضرورة أن يسمّي الإعلام الأشياء بأسمائها، دون تجميل أو تبرير. فالإعلام مسؤول عن نقل صوت الضحايا بكرامة، لا تحويل معاناتهن إلى فضائح، كما عليه أن يتوقف عن تقديم الشخص المسيء كبطل “معقّد” أو تبرير أفعاله بالماضي أو باسم الحب.
وتختتم سلماوي برسالة واضحة لكل امرأة تشكّ بأنها ضحية عنف نفسي: إذا كان هناك شيء في داخلك يتألم باستمرار، فذلك الألم حقيقي ويستحق الإصغاء. أنتِ لستِ حساسة أكثر من اللازم، ولا تتوهمين. كرامتك ليست قابلة للتفاوض، والحب لا يجب أن يؤذي. لستِ وحدك، وهناك طريق للشفاء يبدأ بالاعتراف بأن ما تعيشينه ليس طبيعياً.










