في إحدى أمسيات الجامعة، كانت ريم شيخموس تمسك بهاتفها وتنسّق مع صديقاتها للانضمام إلى جولة جديدة في لعبة “ببجي”. لم تكن تبحث عن تسلية عابرة بقدر ما كانت تبحث عن مساحة للتحدي والعمل الجماعي. قبل أربع سنوات، دخلت ريم عالم الألعاب الإلكترونية مدفوعةً بالفضول والرغبة في إثبات الذات، رغم الصورة النمطية التي تصنّف هذه الألعاب على أنها “للشباب فقط”.
تقول ريم لـ”963+”: “اخترت اللعبة لأنني أحب روح الفريق، وأردت أن أثبت أن الفتيات قادرات على خوض نفس المغامرات”.
لم يكن الطريق سهلاً. واجهت ريم تهميشاً وتعليقات سلبية وتنمّراً، شمل التشكيك بقدراتها والسخرية من صوتها في المحادثات الصوتية، وأحياناً مضايقات مباشرة فقط لأنها فتاة.
تضيف ريم: “في البداية شعرت أن دخولي هذا العالم لم يكن مرحّباً به”. لكنها تعلّمت مع الوقت أن تتجاهل التعليقات وتُركّز على الأداء. “عندما يلاحظون النتائج القوية، يتغيّر أسلوبهم تماماً. المهارة في ببجي لا علاقة لها بالجنس، بل بالخبرة والتدريب”.
حتى العائلة، التي كانت ترى الألعاب مضيعة للوقت، بدأت تغيّر نظرتها عندما رأت مشاركة ريم في بطولات وبناء صداقات جديدة. بالنسبة لها، لم تعد الألعاب ترفيهاً فقط، بل مساحة لإثبات الذات وتغيير الصورة النمطية عن الفتيات. وتوجّه ريم رسالة للفتيات: “لا تخفن من الأحكام المسبقة. إذا أحببتِ اللعبة وطوّرتِ نفسك، ستجدين مكانك بين اللاعبين”.
المرأة والألعاب الإلكترونية: حضور متنامٍ في عالم تنافسي
تعيش صناعة الألعاب الإلكترونية عالميًا تحولاً ملحوظاً في حضور المرأة كلاعبة ومطوّرة ومؤثّرة، بعدما كان يُنظر إلى هذا المجال طويلاً على أنه حكر على الذكور. ومع التطور السريع للتكنولوجيا وانتشار الإنترنت، أصبحت الألعاب فضاءً مفتوحاً للتفاعل والتنافس، لتجد النساء فيه مساحة للتعبير عن الذات والإبداع وبناء مجتمعات رقمية متماسكة.
وفي سوريا، ورغم التحديات الاقتصادية والاجتماعية وظروف الحرب التي انعكست على البنية التحتية التقنية، يبرز اهتمام متزايد من النساء والفتيات بالألعاب الإلكترونية. ولا تُعد مشاركة المرأة السورية نشاطاً عابراً، بل مؤشراً على تغيّرات اجتماعية وثقافية أعمق تسهم فيها التكنولوجيا بإعادة تشكيل الأدوار التقليدية وتوسيع المشاركة في فضاءات تنافسية عالمية.
وتشير إحصائيات حديثة إلى أن 48% من اللاعبين حول العالم هنّ نساء، وهو رقم يبيّن أن حضور المرأة لم يعد استثناءً. وبين الفئة العمرية 16–24 عامًا، تلعب أكثر من 9 من كل 10 نساء ألعاب الفيديو بشكل منتظم.
وعلى خطى ريم، تعرّفت ميساء إلى لعبة “ببجي” قبل نحو ثلاث سنوات عندما كان شقيقها يلعبها باستمرار. في البداية اكتفت بالمشاهدة، قبل أن يدفعها الفضول للتجربة. تقول لـ”963+”: “كثيرون قالوا إنها لعبة للشباب، لكنني اخترتها لأنني أحب المغامرة وأجواء المنافسة”.
وتصف ميساء دخولها الأول بأنه لم يكن سهلاً، إذ استغرب بعض اللاعبين وجود فتاة بينهم، ما جعلها تشعر بالحاجة إلى مضاعفة الجهد لإثبات نفسها. وتؤكد قناعتها بأن “المهارة في ببجي لا علاقة لها بالجنس، بل بالخبرة والتدريب”، وأن التعلّم المستمر والاستراتيجيات هما الفيصل الحقيقي في المنافسة.
نظرة مجتمعية بين التقليدية والحديثة
تؤكد الناشطة الاجتماعية سينار محمد لـ”963+” أن مشاركة الفتيات في الألعاب الإلكترونية ما تزال تواجه تحديات كبيرة في المجتمع السوري. ففي الأوساط التقليدية، يُنظر إلى ألعاب الفيديو على أنها نشاط غير مناسب للفتيات، بينما تُظهر الأوساط الحديثة، لا سيما بين الشباب والعاملين في التكنولوجيا، قدراً أكبر من التقبّل وتقدير المهارات النسائية في هذا المجال.
وتضيف محمد أن انتشار البطولات النسائية وظهور لاعبات ناجحات في الإعلام أسهما في تغيير النظرة المجتمعية، ليُنظر إلى الألعاب الإلكترونية كهواية ومنصّة تعليمية ومصدر دخل وإنجازات، ما سهّل مشاركة الفتيات وكسب دعم بعض الأسر.
وتشير محمد إلى أن أبرز الصعوبات تتمثل في الثقافة السائدة والتمييز، حيث تُعد الألعاب نشاطاً “ذكورياً”، ويُقابل وجود النساء بالتقليل من قيمتهن. كما تُظهر البطولات المحلية سيطرة واضحة للذكور، إلى جانب نقص البرامج الداعمة للفتيات في التدريب والبطولات والمنصّات المخصّصة.
وتلفت إلى أن بيئات الألعاب عبر الإنترنت غالباً ما تكون غير مرحّبة بالنساء، مع تعرّض اللاعبات لتعليقات جنسية وسلوكيات تمييزية تؤدي إلى إحراجهن أو إقصائهن اجتماعياً، فضلاً عن ضعف التمثيل النسائي في صناعة الألعاب وفرصها المهنية، ما يقلّل من وجود نماذج يُحتذى بها.
مبادرات ودعم متزايد
في المقابل، تشير الناشطة إلى مبادرات وشركات بدأت بدعم المرأة في هذا القطاع عبر بطولات مخصّصة للسيدات وورش تدريبية، مثل مبادرة Girls in Gaming المنتشرة في بعض البلدان العربية. وترى أن هذه الخطوات يمكن أن تشكّل نقطة انطلاق لخلق جيل جديد من المطوّرات واللاعبات المحترفات.
وتواجه شركات تصنيع الألعاب الإلكترونية تحدّي تلبية الذوق النسائي، إذ إن معظم المطوّرين من الرجال. ورغم ارتفاع عدد النساء العاملات في هذا القطاع خلال الأعوام الأخيرة، لم تتجاوز نسبتهن 20% بحسب الرابطة الاتحادية للصناعات الترفيهية، ما يدفع الشركات إلى السعي لاجتذاب عمالة نسائية شابة.
وتختتم سينار محمد بالتأكيد على أن التوجه العالمي نحو الشمولية في صناعة الألعاب، وتصميم شخصيات وقصص أكثر تنوعاً، إلى جانب النمو السريع للسوق والمبادرات الداعمة للمرأة، سيؤدي إلى ارتفاع مشاركة الفتيات مستقبلاً. ومع هذا المسار، لم يعد عالم الألعاب حكرًا على الذكور، بل يتجه نحو مزيد من التنوع والإنجازات النسائية.









