في ظهر يوم الخميس، 24 تموز/يوليو، دوّى انفجار ضخم في سماء إدلب، تبعته سلسلة من التفجيرات المتلاحقة التي هزّت أحياء بلدة معرة مصرين، وامتدت أصداؤها إلى القرى المجاورة، وتحديداً بلدة الفوعة شرقي إدلب. وتبيّن أن مصدر الانفجار مستودع أسلحة تابع لـ الحزب الإسلامي التركستاني، أحد أبرز الفصائل الجهادية الأجنبية العاملة في سوريا.
وحتى لحظة إعداد هذا التحقيق، وثقت مصادر طبية مقتل 12 شخصاً، بينهم امرأة وطفل، إضافة إلى أكثر من 160 جريحاً، بعضهم في حالات حرجة، ما يرجّح ارتفاع عدد الضحايا في الساعات المقبلة.
لكن خلف هذه الأرقام تختبئ مآسٍ مؤلمة لعائلات فقدت أبناءها، ومنازل تحولت إلى ركام، وأطفال أصيبوا بجراح قد لا تندمل، في ظل صمت دولي وعجز محلي عن ضبط فوضى انتشار السلاح ومخازنه في المناطق المدنية.
ورغم تضارب الروايات الأولية حول طبيعة الانفجار، أكدت مصادر ميدانية وشهود عيان أنه ناجم عن سوء تخزين الذخائر والمتفجرات داخل أحد مستودعات الحزب الإسلامي التركستاني، الذي يُعد من أبرز فصائل المعارضة السورية.
“يوم القيامة” في الفوعة
يستذكر مصطفى حاج أحمد (35 عاماً)، أحد سكان بلدة الفوعة، لحظات الانفجار الأولى في حديثه لـ”963+”، قائلاً إن الانفجار كان “هائلاً إلى درجة يمكن وصفها بيوم القيامة”، مشيراً إلى أن قوته كانت مدمّرة، إذ تطايرت نوافذ المنازل وتشققت جدرانها، وانهيار جزء من منزله بفعل الهزة العنيفة.
ويضيف أن اللحظات التي سبقت الانفجار كانت مشوبة بالذعر، وسط أصوات التفجيرات المتتالية المختلطة بصرخات الجرحى، مما أدخل السكان في حالة من الفوضى والهلع.
ويوضح مصطفى أن المستودع كان مخفياً عن الأنظار، ولم يكن أحد من الأهالي يعلم بوجود كميات كبيرة من المتفجرات فيه، ما عمّق الشعور بالخذلان نتيجة السماح بتخزين مثل هذه المواد الخطرة وسط الأحياء المأهولة بالسكان.
ويشير إلى أن السؤال الذي يتردد الآن على ألسنة الجميع هو: من يتحمّل مسؤولية هذا الواقع؟ ومن سمح بتخزين كميات ضخمة من المتفجرات بين المدنيين؟ مؤكداً أن السكان يشعرون أنهم يدفعون الثمن باهظاً في ظل غياب أي حماية أو رقابة على مخازن الأسلحة المنتشرة في مدينتهم.
ويشدّد على ضرورة تحرك الجهات المختصة فوراً لإزالة هذه المستودعات من المناطق السكنية، معتبراً أن ما حدث يجب أن يكون إنذاراً صارماً لمنع تكرار هذه الكوارث التي تهدد حياة المدنيين يومياً.
خطر دائم بين المدنيين
يُعد “الحزب الإسلامي التركستاني” من أبرز الفصائل الأجنبية التي قاتلت إلى جانب المعارضة في سوريا، ويتكوّن في معظمه من مقاتلين من أقلية الإيغور الصينية. وقد استقر عناصره في الشمال السوري منذ عام 2015، وسيطروا على مناطق واسعة في ريف إدلب الغربي، بما فيها جبال التركمان وسهل الروج، واتخذوا من إدلب معقلاً ومركزاً لعملياتهم.
“نخاطر بحياتنا لحماية المدنيين بينما تُخزن الأسلحة بين منازلهم”، بهذه الكلمات يصف رائد اليوسف وهو أحد عناصر فرق إزالة الذخائر غير المنفجرة في إدلب، المفارقة التي يعيشونها يومياً.
ويضيف لـ”963+” أنهم يعملون بشكل مستمر على جمع الألغام ومخلفات الحرب من أراضي المدنيين، سعياً لتقليل المخاطر التي تهدد حياتهم، خاصة الأطفال والمزارعين.
ويشير إلى وجود مفارقة مقلقة تتمثل في تخزين الأسلحة قرب التجمعات السكانية، مثل الأحياء السكنية والمرافق الخدمية، مما يعرّض المدنيين لخطر دائم، ويقوّض جهود فرق إزالة الذخائر.
مشاهد صادمة
في مستشفى الشفاء بمدينة إدلب، تكتظ الأقسام بالمصابين، معظمهم من الأطفال والنساء. يقول أحد الأطباء المناوبين – طلب عدم ذكر اسمه – إن المستشفى استقبل “عشرات الجرحى بحروق شديدة وإصابات ناجمة عن الشظايا والانهيارات”.
رائدة العدول (28 عاماً)، والدة طفل أُصيب في الانفجار، تروي لـ”963+” اللحظات العصيبة قائلة إن الانفجار وقع أثناء تناول الغداء مع أسرتها، فاهتزّ المنزل وانهارت أجزاء منه فوق رؤوسهم.
وتضيف أن الحادثة تسببت في حالة هلع شديدة بين الأطفال، أصيب بعضهم بجروح خطيرة، فيما عانى آخرون من نوبات ذعر واختناق جراء الغبار والدخان.
وتوضح أن طفلها البالغ من العمر عشرة أعوام أُصيب بشظية في الرأس، وما زال يتلقى العلاج في مستشفى الشفاء وسط تدهور حالته الصحية.
وتؤكد أن الأسرة لم تكن على علم بوجود مستودع ذخيرة قرب منزلها، ووصفت ذلك بأنه “انتهاك صارخ لأبسط حقوق المدنيين في الأمان”. كما نبهت إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها في إدلب، حيث شهدت المنطقة خلال الآونة الأخيرة عدة انفجارات مماثلة، دون محاسبة تذكر.
وتحمّل العدول المسؤولية لكل من سمح بتحويل المناطق السكنية إلى مخازن للمتفجرات، مطالبة الجهات المعنية بإخلاء هذه المستودعات فوراً، ومحاسبة المتسببين بالإهمال الذي يهدد حياة الأبرياء.
تكرار الكارثة… بلا رادع
لم يكن انفجار معرة مصرين الأول من نوعه، فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية حوادث مشابهة، أبرزها انفجار مستودع أسلحة في بلدة كفريا عام 2021، الذي أسفر عن مقتل 15 مدنياً، بينهم أطفال.
كما وقع انفجار آخر في مستودع للذخيرة بمنطقة سهل الروج في صيف 2023، مخلفاً حرائق استمرت لساعات، وألحقت أضراراً كبيرة بمحاصيل المزارعين وسط غياب سيارات الإطفاء الكافية.
ويرى الناشط الحقوقي رائد المصطو (35 عاماً) أن تكرار الانفجارات في مستودعات الأسلحة داخل المناطق المدنية أو على أطرافها يعكس خللاً عميقاً في أداء الفصائل المسلحة المسيطرة، ويدل على استمرار الاستهتار بأرواح المدنيين الذين غالباً ما يكونون الضحايا المباشرين.
ويضيف لـ”963+” أن هذه الحوادث لم تعد وقائع معزولة، بل باتت تشكّل نمطاً ممنهجاً في تخزين الأسلحة، حيث توضع في أقبية مبانٍ سكنية أو منشآت صناعية قريبة من الناس.
ويشير إلى أن هذا الواقع لا يهدد سلامة السكان فحسب، بل يُعمّق مشاعر القلق وانعدام الثقة، حتى في المناطق التي تُعد بعيدة عن مواقع الاشتباك العسكري.
ويوضح أن الغموض المحيط بهوية الجهات المسؤولة عن هذه المستودعات، إضافة إلى غياب التفسير الواضح لأسباب الانفجارات – سواء كانت ناتجة عن الإهمال، أو التخزين العشوائي، أو الصراعات الداخلية، أو الاستهداف الخارجي – يعكس فوضى عارمة وانعداماً للمساءلة في ظل غياب أي سلطة مدنية أو عسكرية رقابية فاعلة.
ويؤكد متابعون للشأن المحلي في إدلب أن استمرار وجود هذه المستودعات داخل الأحياء، وخارج أي إطار قانوني أو تنظيمي، يحوّل المدن والبلدات إلى براميل بارود قابلة للانفجار في أي لحظة.
كما يشددون على أن الفصائل المسلحة تتحمل مسؤولية كاملة تجاه حياة المدنيين، ويجب عليها التوقف عن تعريضهم للخطر تحت ذرائع أمنية أو عسكرية، واتخاذ خطوات فورية لإخلاء هذه المخازن ومحاسبة المتسببين.










