بعد أكثر من عقد على الصراع الذي مزّق سوريا، يشهد المشهد السياسي في البلاد تحولاً كبيراً مع إعلان تشكيل حكومة سورية جديدة برئاسة أحمد الشرع. تأتي هذه الخطوة في سياق تغيرات جوهرية بموازين القوى داخل البلاد، وتهدف إلى معالجة الملفات الملحّة التي تحتاج إلى حلول جذرية لضمان استقرار سوريا في المستقبل. يواجه الشرع وحكومته الجديدة تحديات معقدة تشمل إعادة الإعمار، المصالحة الوطنية، إصلاح الاقتصاد، وتعزيز العلاقات الخارجية.
إرادة مشتركة
خلال مراسم أقيمت في قصر الشعب بدمشق، أكد الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أن الحكومة الجديدة تجسد “إرادة مشتركة لبناء سوريا الجديدة” على أسس المساءلة والشفافية، مشدداً على مواجهة التحديات بتلاحم وطني وتعزيز الاقتصاد المحلي وحماية المنتج الوطني واستقطاب الاستثمارات. كما أكد أن الحفاظ على استقرار العلاقات الخارجية سيكون من أولويات الحكومة لضمان المصالح الاستراتيجية للبلاد.
شهدت التشكيلة الحكومية استمرار وزيري الخارجية والدفاع في منصبيهما، بينما تم تعيين أنس خطاب وزيراً للداخلية، إضافة إلى عدد من الوزراء الجدد. كما تم استحداث وزارتين جديدتين هما: وزارة الرياضة والشباب، ووزارة الطوارئ والكوارث. يأتي ذلك بعد ثلاثة أشهر من إطاحة بشار الأسد عقب نزاع استمر 14 عاماً، حيث أقرت السلطات إعلاناً دستورياً يحدد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، يتولى خلالها الشرع السلطة التنفيذية.
ورغم الطموحات الكبيرة، تواجه الحكومة تحديات ضخمة، أبرزها: “استمرار العقوبات الاقتصادية التي تعرقل جهود إعادة الإعمار. صعوبة تحقيق توافق وطني بين جميع الأطراف. غياب التمويل الكافي لتحسين الخدمات. تعقيدات المشهد الأمني الداخلي وتأثير القوى الإقليمية والدولية”.
المطلوب إجراءات مؤسسية
أكد الكاتب الصحافي السوري أحمد مظهر سعدو، المقيم في غازي عنتاب، في تصريحات للعدد الخامس من صحيفة “963+” أن الحكومة السورية الجديدة مطالبة باتخاذ إجراءات مؤسسية حقيقية لإعادة تقييم المؤسسات التي ورثتها عن النظام السابق، مشدداً على ضرورة إعلاء مبدأ الكفاءة على المحسوبية. وأوضح أن إعادة تقييم شامل للمؤسسات يجب أن يكون أولوية لضمان بناء دولة قائمة على الحوكمة الحقيقية والمشاركة الفاعلة لكل أطياف المجتمع السوري.
وأضاف سعدو: “تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي يتطلب مشاركة واسعة في صنع القرار، مما يسهم في كسب قبول دولي للإجراءات الإصلاحية ويمهد الطريق نحو رفع العقوبات. كما شدد على أهمية تحقيق توازن بين الإصلاحات الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي”.
من جهته، أكد الخبير السياسي والعسكري اللواء المتقاعد محمد عباس محمد أن الحوكمة الرشيدة في سوريا الجديدة “يجب أن تقوم على إدارات تكنوقراطية تعتمد الشفافية والرقمنة في إدارة الموارد”، مشيراً إلى أن الانتقال إلى بيئة رقمية متكاملة ضروري لضبط المؤسسات الحكومية ومكافحة الفساد.
الغاية تنمية مستدامة
يضيف محمد للعدد الخامس من صحيفة “963+”: “إن الإصلاحات الإدارية والاقتصادية ضرورية لإدارة عجلة الإنتاج، مع التركيز على المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة لدعم الاقتصاد وخلق فرص عمل”.
كما شدد على ضرورة وضع خطط اقتصادية متكاملة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لضمان تنمية مستدامة. وأشار إلى أن المؤسسات الرقابية يجب أن تستند إلى قوانين صارمة لضمان فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، مؤكداً أن جميع المسؤولين في الدولة يجب أن يكونوا خاضعين للمساءلة، وألا يتمتع أي فرد بصلاحيات مطلقة كما كان الحال في النظام السابق.
وتُعد المرحلة الحالية مفصلية في تاريخ سوريا، حيث تُتاح فرصة جديدة لتحقيق إصلاحات جذرية تمهّد لاستقرار مستدام. نجاح الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع مرهون بقدرتها على التعامل مع الملفات الساخنة المطروحة، والعمل على إعادة بناء البلاد وفق أسس جديدة.
ملفات داهمة أم استحقاقات عالية السقف؟
1- إعادة الإعمار والبنية التحتية
تعاني سوريا من دمار واسع طال العديد من المدن والبلدات بسبب الحرب، ما يتطلب جهوداً ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية، تشمل تأهيل الطرق والجسور، إصلاح شبكات المياه والكهرباء، وإعادة بناء المنشآت الصحية والتعليمية. كما أن تأمين التمويل لهذه المشروعات يعد من أكبر التحديات في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا
2- تحسين الخدمات الأساسية
تدهورت الخدمات العامة بشكل كبير خلال السنوات الماضية، مما أدى إلى معاناة السكان من نقص في المياه والكهرباء، وانهيار النظام الصحي، وتراجع جودة التعليم. تُعد إعادة توفير هذه الخدمات الحيوية من الأولويات لضمان حياة كريمة للمواطنين
3- المصالحة الوطنية والحوار السياسي
بعد سنوات من الانقسامات العميقة بين مختلف الأطياف السياسية والعسكرية، تحتاج البلاد إلى عملية مصالحة شاملة تضمن مشاركة جميع الفئات في مستقبل البلاد، عبر حوار وطني واسع يضم القوى المعارضة والمكونات المجتمعية والمجموعات المسلحة السابقة
4- الاقتصاد والتحديات المعيشية
يواجه الاقتصاد السوري أزمة حادة نتيجة العقوبات والتدمير الذي لحق بالقطاعات الإنتاجية، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانخفاض قيمة العملة المحلية. تحتاج الحكومة إلى استراتيجيات اقتصادية واضحة تشمل إعادة تشغيل المصانع، دعم قطاعي الزراعة والصناعة، وجذب الاستثمارات الخارجية
5- اللاجئون والنازحون
يعتبر ملف اللاجئين والنازحين من القضايا الأكثر تعقيداً، حيث يوجد ملايين السوريين الذين فروا بسبب الحرب. تتطلب معالجة هذا الملف وضع آليات تضمن عودة آمنة لهم، مع توفير السكن والبنية التحتية الأساسية وضمان حقوقهم
6- السيطرة على السلاح والجماعات المسلحة
ما زالت بعض الجماعات المسلحة تسيطر على مناطق معينة في سوريا، مما يشكل تهديداً لأي استقرار محتمل. يجب على الحكومة العمل على نزع السلاح غير الشرعي، ودمج المقاتلين السابقين ضمن القوات النظامية أو تأهيلهم للعودة إلى الحياة المدنية
7- العلاقات الدولية والديبلوماسية
تعتمد الحكومة الجديدة على توسيع علاقاتها الخارجية بهدف تخفيف العقوبات والحصول على دعم دولي لإعادة الإعمار. يُتوقع أن يسعى الشرع إلى تحسين العلاقات مع الدول العربية، بالإضافة إلى إيجاد أرضية مشتركة مع القوى الدولية الفاعلة مثل الولايات المتحدة، روسيا، وإيران”.










