يقول أصحاب محالّ الأنتيكا إنهم يتطلّعون بتفاؤل إلى عودة العلاقات العربية وإلى إقامة معرض دمشق الدولي، إذ يتوقعون أن تعود مهنتهم إلى الانتعاش بعد سنوات طويلة من الجمود سبّبتها الحرب وتوقف حركة السياحة.
ومعروف أن الأنتيكا هي مقتنيات قديمة ذات قيمة تاريخية وتراثية، مثل الأواني النحاسية القديمة وأباريق القهوة والصناعات الفضية والخشبية، إضافة إلى الأقمشة الشرقية كالبروكار والقيشاني. ويتخذ تجّار الأنتيكا من أسواق دمشق القديمة مركزًا لبيع مقتنياتهم، كونها بيئة طبيعية تحتضن هذا النوع من التجارة التي تعتمد أساسًا على السيّاح العرب والأجانب.
سوق الإنترنت البديل
يقول فجر جبارة، وهو تاجر أنتيكا يملك محلًا في الشارع المستقيم بدمشق القديمة، لـ”963+”: “في السنوات الأولى من الثورة السورية توقفت حركة السيّاح، وبالتالي توقفت تجارتنا. فبحثنا عن حل بديل، ووجدنا في تأسيس مواقع إلكترونية متخصصة خياراً مناسباً، تمكّنا من خلاله من الاستمرار، بل وحققنا أحياناً مبيعات تفوق ما كنّا نحققه من البيع المباشر للسياح”.
ويضيف: “لكن بعد عام 2018 لم نعد نستطيع الاستمرار، إذ بدأت الفرقة الرابعة بالتدخل في أدق تفاصيل عملنا، وفرضت علينا إتاوات. صاروا يعرقلون عمليات الشحن ويفتشون البضائع، وأحياناً يحطمون الشحنات إذا امتنع أصحابها عن الدفع. لذلك توقّف الكثير من تجار الأنتيكا عن العمل. أما اليوم، وبعد التحرير، فقد قدّمت لنا الحكومة تسهيلات ساعدتنا على النهوض مجدداً”.
ويؤكد جبارة ضرورة وجود قوانين واضحة تنظم هذه المهنة، موضحاً أن “الفارق كبير بين القطع الأثرية وبين مقتنيات الأنتيكا، وهذا يتطلّب خبراء آثار وباحثين في التاريخ ليميزوا بين القطعة الأثرية والقطعة التراثية”.
مهنة محفوفة بالمخاطر
يضيف جبارة: “بعض الزبائن يطلبون قطعة محددة، وفي حال عدم توفرها نقترح تصنيع قطعة مشابهة وتعتيقها. وهذا ما جعل السوق يغرق بالقطع المقلدة والمزورة. والمشكلة أنه لا توجد طريقة دقيقة لتمييز الأصلي من المقلد إلا عبر خبراء مختصين، ما يجعل الأمر معقداً ومحفوفاً بمخاطر الغش. هؤلاء المزوّرون أساؤوا كثيراً لهذه المهنة العريقة، ونحن أصبحنا مضطرين لفحص أي قطعة تعرض علينا، ومع ذلك تعرضنا للغش والخسارة أكثر من مرة”.
وعن كيفية الحصول على هذه المقتنيات يقول جبارة: “أحياناً يأتي أشخاص لبيعنا بعض القطع، حيث تدفعهم الظروف المعيشية إلى التخلي عنها. لكننا نعتمد أساساً على جولات في القرى والأرياف، حيث نجد المقتنيات في البيوت القديمة. وغالباً ما تواجهنا ممانعة كبيرة قبل البيع، لأن هذه المقتنيات متوارثة وتحمل رائحة الأجداد. نبذل جهدًا كبيراً لإقناع أصحابها بالبيع، وأحياناً نفشل. نحن كالصيادين، قد يقف الطير أمامنا، لكن إذا أخطأنا الهدف ضاع جهدنا سدى”.
السياحة عصب تجارة الأنتيكا
يقول مالك خطاب، صاحب أحد محلات الأنتيكا في حي القيمرية، لـ”963+”: “أنتمي إلى عائلة تعمل في هذا المجال، فمنذ طفولتي وأنا أعمل في هذا المحل، أي منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا قبل الحرب. كنا نعتمد بشكل كامل على السياح العرب والأجانب، ولا أذكر أنني بعت أي قطعة لغيرهم. لكن توقف السياحة خلال سنوات الحرب ألحق بنا أضرارًا كبيرة كما ألحق بالبلاد كلها. واليوم، بعد عودة العلاقات مع دول العالم والموسم السياحي الواعد، نأمل أن نستعيد نشاطنا”.
ويضيف خطاب أن معرض دمشق الدولي هذا العام أسهم في إنعاش المهنة قليلًا:
“بعنا بعض المقتنيات التي قُدمت كهدايا لوفود عربية وأجنبية”.
أسعار متفاوتة
يوضح خطاب أن أسعار المقتنيات تختلف بحسب ندرتها وعمرها ومدى مقاومتها للزمن: “المقتنيات الخشبية والأقمشة والسجاد إذا لم تحفظ جيدًا فهي عرضة للتلف، على عكس النحاسيات والفضيات التي لا يؤثر فيها الزمن، وهذا عامل أساسي في تحديد سعر الشراء والمبيع. كما أن بعض المقتنيات نادرة، ما يجعل ثمنها مرتفعاً مقارنة بغيرها”.
الحنين إلى الماضي
يقول علي حجازي، الباحث في التراث المادي واللامادي، لـ”963+”: “الحنين إلى الماضي هو السبب الأساسي لرغبة الناس في اقتناء الأنتيكا. فكلما ابتعد بنا الزمن، ازداد تعلقنا بصفاء تلك الأيام وجمالها، ونسينا ما فيها من سيئات. والرغبة في لقاء من عاشوا في ذلك الزمن تبقى حسرةً في الروح، فيتم التعويض عنها بامتلاك أدواتهم والاحتفاء بها.
كأننا نقدّم احتراماً كبيراً لأصحابها من خلال احترام مشغولاتهم الفنية. هذه المقتنيات صُنعت بذوق رفيع وإحساس فني عالٍ، واحتاج إنجازها إلى وقت وصبر كبيرين. حتى لو جردناها من قيمتها التراثية، فهي تبقى تحفًا فنية جميلة للغاية ومحببة للجميع”.










