تمر سوريا اليوم بمرحلة محورية في تاريخها، إذ تقف على فالق زلزالي جيوسياسي يهدد بإعادة تشكيل خريطة المنطقة بأكملها. فمن جهة الشمال، تحرك تركيا أوراقها باسم مكافحة التهديد الكردي. ومن الجنوب، تتوغل إسرائيل تحت ذريعة حماية الأقلية الدرزية. هاتان الحجتان، وإن بدتا ظاهرياً إنسانيتين، تخفيان وراءهما مشاريع استراتيجية عميقة تحكمها خطوط الإمداد والتجارة الجديدة، من ممر داوود الإسرائيلي إلى خط الإمداد التركي للغاز والطاقة.
تطمح تركيا إلى تحويل سوريا إلى مجالها الحيوي بمشاريع اقتصادية وعسكرية متعددة الأبعاد، أولها مشروع خط أنابيب الغاز القطري-التركي الذي حلمت أنقرة بتحقيقه منذ 2009، والذي يجعل من تركيا مركزاً حيوياً للطاقة يربط الشرق الأوسط بأوروبا.
اقرأ أيضاً: “الشرق”: سوريا وتركيا تستعدان لإبرام اتفاقيات أمنية وعسكرية – 963+
على الجانب الآخر، تسعى إسرائيل إلى تحقيق حلمها التوسعي من خلال ما يُعرف بـ”ممر داوود” الاستراتيجي الذي يهدف إلى إنشاء ممر بري يمتد من الجولان المحتل شرقاً عبر المحافظات السورية الجنوبية، وصولاً إلى الحدود العراقية ونهر الفرات، لقطع الطريق البري الذي يصل إيران بالشرق الأوسط، ولتعزيز إسرائيل كمركز اقتصادي إقليمي منافس لطريق الحرير الصيني، وضم أراضٍ غنية بالموارد المائية والنفطية.
وصل التوتر بين القوتين الإقليميتين إلى درجة رفع لجنة “ناغل” التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية توصية للحكومة في تل أبيب للاستعداد لحرب محتملة مع تركيا، معتبرة أن الخطر التركي في سوريا بات أكبر من الخطر الإيراني السابق.
رغم التصعيد، كشفت تقارير عن وجود اتفاق غير معلن بين تركيا وإسرائيل لتجنب الصدام العسكري المباشر في سوريا، يتضمن إنشاء خط اتصال مباشر على مدار الساعة لحل أي تعقيدات عسكرية.
ووفقاً للتفاهمات، تقبل إسرائيل بالانتشار التركي شمال تدمر، شرط عدم نشر أنظمة الدفاع الجوي والرادارات التي قد تراقب العمليات الجوية الإسرائيلية، فيما تصر إسرائيل على بقاء جنوب سوريا منطقة منزوعة السلاح.
اقرأ أيضاً: مسؤول سوري: الانسحاب الإسرائيلي خطوة نحو الاستقرار.. ونرفض “جيشاً داخل الجيش” – 963+
تكمن المعضلة الحقيقية في أن كلاً من تركيا وإسرائيل يحتاج الآخر ويخشاه في الوقت ذاته. فتركيا تحتاج لضمان عدم تدخل إسرائيل في مشاريعها الاقتصادية والعسكرية في سوريا، بينما تخشى من تداعيات التوسع الإسرائيلي على أمنها القومي.
في هذا المشهد المعقد، تجد الإدارة السورية الجديدة نفسها في موقف بالغ الصعوبة، إذ عليها الموازنة بين الحاجة للدعم التركي في إعادة الإعمار والاستقرار الأمني، وضرورة تجنب استفزاز إسرائيل التي تسيطر فعلياً على أجزاء من الأراضي السورية، وربما يكون هذا المحور الأساس للقاءات السورية – الإسرائيلية في أذربيجان، التي تدور في الأصل في الفلك التركي
إن التنافس التركي-الإسرائيلي على سوريا ليس صراعاً على النفوذ فحسب، بل هو إعادة تشكيل للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط. والنجاح في إدارة هذا التنافس سيحدد ما إذا كانت سوريا ستصبح جسراً للتعاون الإقليمي أم ساحة للصراعات المدمرة.
والسؤال المحوري يبقى: هل تتمكن دمشق من تحويل أعدائها الودودين إلى أصدقاء حقيقيين، أم ستكتشف أن أصدقاءها اللدودين يخفون نوايا أكثر خطورة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد مستقبل سوريا فحسب، بل مستقبل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط كله.










