لم تعد ظاهرة التدخين بين الأطفال تثير الدهشة؛ ففي أحياء وشوارع دمشق، بات من السهل أن ترى طفلاً لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره يمسك بسيجارة، أو يجلس في مقهى شعبي يتبادل الضحكات مع أقرانه، بينما ينفث دخان الأركيلة بلا تردد، وكأنه يقلد مشهداً مألوفاً لا يلفت الانتباه.
هذا المشهد بات شائعاً، وتتعدد أسبابه، أبرزها غياب دور الأسرة والمجتمع، إضافة إلى ضعف تطبيق القوانين التي تحظر بيع السجائر لمن هم دون الثامنة عشرة من العمر.
السجائر تُباع للأطفال علناً
ينتشر تدخين الأركيلة في الحدائق العامة والمقاهي، حيث يُعامل الأطفال كزبائن عاديين لا يُسألون عن أعمارهم. يقول أحد أصحاب المقاهي في منطقة المزة لـ”963+”: “بصراحة، إذا ما اشتغلنا معهم، بيروحوا لمحل تاني. ما حدا بيمنع، لأن الكل بدو يساير ليمشي حاله”.
ورغم أن القانون السوري واضح في منع بيع منتجات التبغ لمن هم دون 18 عاماً، فإن تطبيق هذا القانون ما يزال غائباً على أرض الواقع؛ فلا يُطلب من الأطفال إبراز بطاقاتهم الشخصية، ولا توجد جهات رقابية تتابع تنفيذ هذا الحظر في المحلات والمقاهي.
صاحب أحد المحال في كفرسوسة يقول بصراحة لـ”963+”: “إذا شكّيت بالعمر، بيجي أخوه أو حدا كبير بيشتريله. نحنا مو شرطة”.
ويصف يحيى محمد، أحد أولياء الأمور، في حديث لـ”963+”، بيع السيجارة المفردة بأنه “الجريمة الصامتة” التي يجب إيقافها فوراً، مضيفاً: “ما بيشتروا علبة، بس بيشتروا وحدة وبيجربوا، وهون بتبدأ المصيبة. لأن البداية بتيجي من سهولة التجربة وقلة الكلفة”.
الأسرة والمجتمع: دور غائب وتشجيع ضمني
لم تعد المشكلة تقتصر على الأماكن العامة؛ ففي المنازل أيضاً أصبح التدخين أمراً مقبولاً، بل ومشجَّعاً في بعض الأحيان، حيث يفضّل بعض الأهالي أن يُدخّن أبناؤهم أمامهم وتحت مراقبتهم، بدلاً من أن يخفوا الأمر ويجربوه سراً، بحسب ما تقول “ربا”، والدة طفل مدخّن لـ”963+”.
توضح ربا أن ابنها البالغ من العمر 14 عاماً بدأ التدخين قبل نحو عام، وقد اكتشفت أنه يسرق المال منها لشراء السجائر. وبعد إخبار والده، قرر الأخير أن يشتري له بنفسه خوفاً من أن يعتاد على السرقة. تقول ربا: “الدخان أهم من السرقة”، موضحةً أن الخيار الأسوأ كان أن يسرق.
أضرار صحية ونفسية واجتماعية
يقول الدكتور أحمد حمدان، أخصائي أمراض الأطفال، إن النيكوتين الموجود في منتجات التبغ يؤثر بشكل مباشر على تطور الدماغ لدى اليافعين، إذ يستمر نمو الدماغ حتى سن 25 عاماً.
ويضيف في حديثه لـ”963+” أن الأركيلة ليست أقل خطراً من السجائر، مشيراً إلى أن جلسة واحدة من تدخين الأركيلة تعادل تدخين أكثر من 100 سيجارة من حيث كمية الدخان المستنشَق. ويُعرِّض هذا الأطفال لخطر الإصابة بأمراض تنفسية مزمنة، وضعف في وظائف الرئة، واضطرابات في التركيز والسلوك.
ومن الناحية الاجتماعية، يرتبط التدخين في سن مبكرة بانخفاض الأداء الدراسي، وزيادة احتمالية الانخراط في سلوكيات خطرة مثل تعاطي الكحول والمخدرات، بالإضافة إلى اضطراب العلاقات الأسرية والمدرسية.
ظاهرة عالمية
تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو37 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاماً يستخدمون التبغ على مستوى العالم، ويتعرضون لحملات تسويقية تستهدفهم بشكل مباشر.
كما تفيد تقارير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) بأن نتائج استطلاع 2023–2024 أظهرت أن حوالي 12.6% من طلاب المدارس الثانوية و6.6% من طلاب المدارس المتوسطة استخدموا منتج تبغ واحداً على الأقل خلال آخر 30 يوماً. ومن بين هذه النسب، سجّلت حالات تدخين الأركيلة (Hookah) 1.1% في المدارس المتوسطة و2.7% في المدارس الثانوية.
وتؤكد جمعية الرئة الأميركية أن الأطفال والمراهقين الذين يبدأون التدخين قبل سن 18 عاماً غالباً ما يصبحون مدخنين دائمين، مشيرة إلى أن نصف من جرّب التدخين سيستمر فيه، ونحو نصفهم سيموت لاحقاً بسبب أمراض مرتبطة به.
قوانين موجودة وتطبيق غائب
تقول الدكتورة عبير العبيد، مسؤولة برنامج مكافحة التدخين في وزارة الصحة، لـ”963+” إن الوزارة تعتمد على السياسات الست التي وضعتها منظمة الصحة العالمية ضمن مبادرة MPOWER، والتي تشمل:
- M (المراقبة): إجراء مسوحات دورية لقياس نسب التدخين، خصوصاً في المدارس.
- P (الحماية): منع التدخين في الأماكن العامة، لاسيما المغلقة وتلك التي يرتادها الأطفال.
- O (المساعدة): تقديم الدعم النفسي والعلاج الطبي للإقلاع عن التدخين.
- W (التحذير): وضع تحذيرات واضحة على عبوات التبغ، وتنظيم حملات توعية عامة.
- E (الحظر): منع الإعلانات والترويج لمنتجات التبغ بجميع أشكاله.
- R (الضرائب): رفع الضرائب على منتجات التبغ لتقليل إمكانية الوصول إليها، خاصة من قبل اليافعين.
وتشير إلى أن مسوحات الوزارة أظهرت أن نحو 17% من الأطفال في المدارس يدخنون، بينما صرّح 30% من الطلاب بأنهم جربوا أحد منتجات التبغ. وتؤكد الدكتورة عبيد أن هذه الأرقام “مقلقة”، مرجحةً أن تكون النسب الفعلية أعلى، نظراً لعدم صدق بعض الطلاب في الإجابة على أسئلة المسح.
وتضيف أن القوانين السورية لمكافحة التدخين واضحة، مثل المرسوم 62 لعام 2009 الذي يمنع التدخين في الأماكن العامة، وانضمام سوريا إلى اتفاقية مكافحة التبغ العالمية (FCTC) عام 2004، إلا أن التنفيذ على الأرض ما يزال ضعيفاً، مشددة على الحاجة إلى قوى تنفيذية فعالة.
وتؤكد أن الوزارة تعمل على استهداف الأطفال ببرامج توعية داخل المدارس، من خلال حملات صحية وتدريبهم على رفض التجربة الأولى للسجائر أو الأركيلة.
كما تلفت إلى تنامي إقبال الأطفال على منتجات التبغ الإلكترونية، ما يستدعي اتخاذ خطوات عاجلة لمنع انتشارها، داعيةً وزارتي الاقتصاد والصناعة إلى اتخاذ إجراءات حازمة لوقف استيراد وتصنيع السجائر الإلكترونية، التي باتت تمثل تهديداً مباشراً على الصحة العامة.
وتنوه أيضاً إلى ضرورة تعاون وزارات السياحة والإدارة المحلية لإلزام المقاهي والأماكن العامة بتطبيق قوانين حظر بيع السجائر، وكذلك وزارة الإعلام لتكثيف الحملات التوعوية حول مخاطر التدخين على الفرد والمجتمع.










