منذ إعلان واشنطن وبروكسل عن تخفيف أو رفع العقوبات المفروضة على سوريا بسبب نظام الأسد، توالدت قراءات متضاربة حول ما يعنيه ذلك فعلاً في ميزان السياسة بالنسبة لـ “سوريا الجديدة”. بدا المشهد وكأنه انتقال من العزلة إلى الانفتاح، من الحصار إلى الإقرار بالواقع، ولكن تحت هذا السطح المتفائل، تلوح أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بطبيعة السلطة، وشكل الدولة، وشروط استعادة السياسة، وشرعية الداخل قبل شرعية الخارج.
لم تُصمم العقوبات المفروضة سابقاً على نظام الأسد لتكون مشروعاً سياسياً بذاته، فهي كانت أداة ضغط مؤقتة في انتظار تحوّل سياسي لم يأتِ. مع الوقت، تحوّلت هذه العقوبات من ورقة تفاوض إلى بنية قائمة بحد ذاتها، واليوم حين يُعاد تكييفها فإننا نكون أمام لحظة “إعادة تعريف” وظيفة العقوبات.
هنا تحديداً، يبدأ الثمن السوري بالتشكّل، من خلال ما سيرافق رفع العقوبات من إعادة توزيع غير معلن للفاعلين، والمواقع، ودوائر الشرعية الجديدة.
القرارات الأمريكية والأوروبية المعلنة لم تكن جزءاً من تسوية واضحة، ولا نتيجة لتحوّل بنيوي في شكل السلطة الجديدة، وإنما جاءت كترتيب مؤقت لإبقاء الوضع تحت السيطرة في المرحلة الجديدة التي تمر على سوريا، وتفادي الانهيار الكامل في ظل واقع إقليمي متغير.
ما حصل لا يمكن اعتباره إعادة دمج للسلطة الانتقالية في النظام الدولي ولا تطبيع سياسي بالمعنى الكامل، وإنما تموضع جديد ضمن نطاق ما يمكن تسميته بـ”الاعتراف الأدنى”، وهو شكل من الاعتراف الإجرائي يتيح التواصل مع سلطة أمر واقع، دون تقديم اعتراف سياسي مكتمل أو تمثيل دبلوماسي ثابت.
تجارب سابقة قدّمت نماذج مشابهة، ففي السودان عقب الإطاحة بعمر البشير، نشأت سلطة انتقالية نالت قبولاً دولياً واسعاً، لكنها لم تلبث أن انهارت تحت وطأة هشاشتها الداخلية وانعدام القدرة على التحوّل من الشرعية الدولية إلى شرعية محلية تمثيلية. وفي لبنان، مثّل اتفاق الطائف نوعاً من الاعتراف الخارجي التوافقي، لكنه لم ينجح في تأسيس نظام سياسي مستقر، بل أنتج نموذجاً هشّاً من تقاسم النفوذ الطائفي، تحوّل مع الوقت إلى ما يشبه الجمود المزمن.
اقرأ أيضاً: استرداد بشار الأسد لمحاكمته.. العدالة كإمكانية سياسية ضد منطق الإفلات والتدوير
ما يمكن استخلاصه من هاتين الحالتين أن الاعتراف أو الدعم الخارجي، حين لا يُرفق بعملية داخلية واسعة وحقيقية ومتكاملة لإعادة بناء الشرعية على أسس وطنية، يصبح عبئاً أكثر مما هو مكسباً، فبدلاً من أن يُطلق مسار التحوّل السياسي، يُكرّس مؤقتاً بنيات السلطة القائمة، ويمنحها هامشاً من الحركة دون مساءلة، ودون مؤسسات تضمن الاستمرارية والتوازن.
لا تزال البنية التمثيلية غير مكتملة في سوريا، والحياة السياسية غائبة، والمؤسسات خاضعة لتركيبة فوقية غير تشاركية، لذا فإن الرهان على هذا المستوى المنخفض من الاعتراف لا يكفي لبناء دولة، بل إن تحوّله إلى بديل عن إصلاح الداخل قد يعمّق منطق “الإدارة المؤقتة” ويُفرّغ المرحلة الانتقالية من مضمونها التأسيسي.وفق ما تُشير إليه نظرية الوظيفية الجديدة، فإن الإدماج التدريجي للكيانات السياسية في النظام الدولي لا يحدث دفعة واحدة، إنما يمر عبر ما يُعرف بـ”الزحف الوظيفي”، أي توسيع الاعتراف عبر آليات فنية وإجرائية تؤسس لاحقاً لاعتراف سياسي ضمني. غير أن هذه الآلية تفترض وجود دولة قابلة للاندماج، أي تملك مؤسسات مستقرة وبنية شرعية مرنة، وفي الحالة السورية، يبدو أن الخارج يتصرف وفق منطق وظيفي، في حين لا تزال البنية الداخلية عاجزة عن مواكبة هذا النمط، ما يجعل من هذا الاعتراف المؤقت حملاً زائداً على بنية السلطة التي تدور في فلك الفراغ.
رفع العقوبات لا يساوي تلقائياً بداية التعافي، إذ يتطلب استثمار هذه اللحظة بنية مؤسساتية وطنية قادرة على تحويل الفرص إلى سياسات، وفي غياب البيئة القانونية والمؤسساتية المناسبة، تبقى كل نافذة خارجية مجرّد تهدئة ظرفية، لا تنتج نمواً حقيقياً ولا استقراراً سياسياً.
من أبرز التحديات المعلقة؛ يبرز ملف المقاتلين الأجانب، والذين لا يزال وجودهم يثير مخاوف محلية مجتمعية وإقليمية. تجاهل هذا الملف لا يعني اختفاءه، وإنما ترحيله إلى مرحلة أخرى قد تكون أكثر تكلفة، والسلطة الانتقالية إن أرادت فعلاً أن تنال ثقة المجتمعات المحلية والدول الإقليمية، فإنها تحتاج إلى توضيح موقفها من هذا الملف، ليس فقط بوصفه معضلة أمنية، وإنما كعقد أخلاقي يتعلق بطبيعة الحكم وشروط التمثيل.
الفرصة المتاحة التي قد تنتج من الانفتاح الدولي، تكمن في استثماره لبناء شرعية من الداخل، لا في الاكتفاء باجتذاب تمويلات مشروطة، ولكن لا شرعية بدون عقد جديد تشارك في صياغته القوى المدنية، والمكونات المحلية. هذا العقد يولد من تفاهم سوري–سوري يحدد شكل الدولة، ومهام السلطة، وحدود المركز، وآليات الانتقال السلمي للسلطة.
واحدة من أثمان رفع العقوبات دون تحول داخلي حقيقي، هي تكريس الفراغ السياسي داخل البلاد، فغياب الحياة الحزبية واستمرار المشهد السياسي في صورته الرمزية، يمنع تشكّل عقد اجتماعي متين ويحول دون إنتاج سلطة تمثيلية حقيقية، فالدولة بحاجة إلى بنية سياسية حيّة تُفرز نخباً جديدة، وتعكس التعدديات القائمة في المجتمع.
في المحصلة، لا يُقاس الثمن السوري لرفع العقوبات بحجم الأموال التي ستُضخ، وإنما بكيفية استثمار هذه اللحظة لإعادة بناء الدولة. الفرصة قائمة، لكنها هشّة، والرهان سيكون على إرادة الداخل في أن لا يُهدر مرة أخرى ما كان يمكن أن يكون بداية حقيقية لـ “سوريا الجديدة”.










