تتجدد النقاشات حول مستقبل مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة، من بينها إعادة تشكيل مؤسسات الدولة في سوريا، واستمرار الجهود الرامية إلى دمج التشكيلات المسلحة ضمن المؤسسات الرسمية، إلى جانب استمرار المخاوف الدولية من عودة تنظيم “داعش” إلى استغلال الفراغات الأمنية في بعض المناطق.
وفي موازاة ذلك، تؤكد تقارير دولية حديثة أن التنظيم ما يزال يمثل تهديداً أمنياً عابراً للحدود، رغم تراجع سيطرته الميدانية، في ظل استمرار نشاط خلاياه واستغلاله بؤر عدم الاستقرار في سوريا والعراق، وهو ما يبقي ملف مكافحة الإرهاب في صدارة أولويات الدول والمنظمات الدولية.
وفي خضم هذه التطورات، تتباين الرؤى بشأن فاعلية المقاربات الأمنية والعسكرية المعتمدة خلال العقدين الماضيين، ومدى نجاحها في الحد من تمدد التنظيمات المتشددة، كما تتصاعد الأسئلة حول تأثير تضارب المصالح الدولية، وغياب تعريف موحد للإرهاب، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة، في إضعاف جهود المواجهة وبناء منظومات أمنية مستقرة.
وحدة القرار
يقول صفاء الأعسم، المستشار العسكري السابق المقيم في بغداد، لـ”963+”، إن هناك مقولة راسخة داخل المؤسسة العسكرية على المستوى السياسي ترتبط بالسياسة الأمنية للدولة، مفادها أنه لا يمكن لأي دولة أن تستقيم أو تحقق الاستقرار ما لم تكن تمتلك وحدة في القرار ووحدة في السلاح.
ويشير إلى أن التجارب الأمنية والعسكرية أثبتت صحة هذه القاعدة، لافتاً إلى أن وجود جماعات جهادية أو تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة يتعارض مع مبدأ احتكار الدولة للسلاح، ويجعل من الصعب فرض الاستقرار الأمني والسياسي.
ويضيف أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد القائد العام للقوات المسلحة، باعتباره الجهة المخولة دستورياً بإدارة الملف العسكري. ويرى أن مشكلة الجماعات الجهادية والفصائل المسلحة تكمن في أنها تمثل جهات قد تسيء إلى أمن الدولة، الأمر الذي يؤدي إلى غياب الانضباط الأمني ويخلق تحديات أمام المؤسسات الرسمية في فرض القانون.
ويلفت الأعسم إلى أن أي خلل أمني يقع خارج سيطرة الدولة ينعكس بصورة مباشرة على علاقاتها مع دول الجوار، موضحاً أن العراق انتهج خلال السنوات الماضية سياسة خارجية هادئة قائمة على بناء علاقات حسن جوار مع محيطه الإقليمي، ولا سيما في ظل المتغيرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. ويعتقد أن المرحلة الحالية تتطلب بناء مستوى عالٍ من الثقة المتبادلة بين الدول، لأن أي نشاط مسلح خارج سلطة الدولة من شأنه أن ينعكس سلباً على العلاقات الأمنية والسياسية والدبلوماسية بين الدول المجاورة.
ويتابع أن هذا الأمر يؤثر على طبيعة العلاقات الثنائية بين العراق وتركيا، كما ينعكس على العلاقات العراقية السورية، فضلاً عن تأثيره على مستوى التعاون الأمني مع دول الخليج وإيران. ويشير إلى أن وجود تنظيمات إرهابية أو جماعات مسلحة تتحرك خارج سيطرة الدولة يربك البيئة الأمنية الإقليمية، ويؤثر في آليات التنسيق المشترك بين الدول لمواجهة التحديات الأمنية.
ويعتبر أن استمرار نشاط الجماعات المسلحة يخالف السياسة العامة للدولة، لأن الحكومات عادة ما تضع استراتيجيات أمنية تمتد لسنوات مقبلة، وتسعى إلى تنفيذها من خلال مؤسساتها الرسمية. ويضيف أن نجاح هذه السياسات يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة ومنع أي جهة من العمل خارج إطارها القانوني.
ويشير الأعسم إلى أن الوصول إلى قرارات راسخة يتطلب وجود مؤسسات دستورية متكاملة تمارس صلاحياتها بصورة واضحة، موضحاً أن الدولة تستند إلى ثلاث سلطات رئيسية، تتمثل أولاً في السلطة التنفيذية التي يمثلها رئيس الوزراء بصفته رئيس الحكومة، وثانياً السلطة التشريعية التي يمثلها البرلمان باعتباره معبراً عن إرادة الشعب، وثالثاً السلطة القضائية التي تتمثل بمجلس القضاء والجهات القضائية المختصة، والتي تضطلع بمهمة تطبيق القانون ومحاسبة المقصرين وتحقيق العدالة.
ويضيف أن تكامل عمل هذه السلطات يسهم في ترسيخ سيادة القانون، ويعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، كما يضمن أن تتم معالجة المخالفات وفق الأطر القانونية والقضائية بعيداً عن أي تجاوزات.
ويختتم الأعسم حديثه بالتأكيد على أن جميع الدول مطالبة بالانتباه إلى هذه المبادئ إذا كانت تسعى إلى بناء علاقات مستقرة وطويلة الأمد مع محيطها الإقليمي. ويعلل ذلك بأن الثقة بين الدول لا تُبنى إلا عندما تكون السلطة الأمنية بيد الدولة وحدها، وعندما لا توجد فراغات أمنية تستغلها جهات خارجة عن القانون للإضرار بأمن البلدان أو تهديد استقرارها.
ويرى أن وجود الأمن، وتعزيز الثقة المتبادلة، وحصر السلاح بيد الدولة، تمثل جميعها الركائز الأساسية التي تضمن استقرار العلاقات بين العراق ودول الجوار، وتحد من أي تهديدات قد تمس أمن البلدين أو المنطقة بصورة عامة.
غياب التوافق
يقول عمار جلو، الباحث في مركز الحوار للأبحاث والدراسات في واشنطن، لـ”963+”، إن السياسة الأمنية الدولية في ملف مكافحة الإرهاب تشكلت بصورة واضحة بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، حيث شهدت تلك المرحلة تعاطفاً دولياً واسعاً مع الولايات المتحدة الأميركية، حتى من قبل دول كانت تربطها بها علاقات معقدة، مثل روسيا الاتحادية التي فتحت مجالها الجوي للطائرات العسكرية الأميركية لاستخدامه في العمليات العسكرية داخل أفغانستان ضد تنظيم “القاعدة”. ويشير إلى أن تلك المرحلة مثلت حالة من الإجماع الدولي خلف الولايات المتحدة في ملف مكافحة الإرهاب.
ويضيف أن هذا الإجماع بدأ يتراجع بعد أكثر من عقدين من الزمن، إذ أثبتت التجربة، برأيه، وجود إخفاقات واضحة في إدارة هذا الملف، أولها أن الإجماع الذي تحقق عام 2001 لم يكن متيناً بما يكفي للاستمرار، بسبب غياب تعريف دولي موحد للإرهاب. ويرى أن كل دولة باتت تنظر إلى مفهوم الإرهاب من زاوية مصالحها السياسية والأمنية، الأمر الذي أدى إلى اختلاف واسع في التصنيفات.
ويلفت إلى أن تركيا، على سبيل المثال، تصنف “حزب العمال الكردستاني” تنظيماً إرهابياً، بينما كان النظام السوري السابق يعتبر جماعة “الإخوان المسلمين” تنظيماً إرهابياً، في حين تصنف الصين الحزب التركستاني ضمن التنظيمات الإرهابية، فيما تركز الولايات المتحدة على تنظيم “القاعدة” وعدد من التنظيمات الأخرى. ويعتقد أن هذه الاختلافات تعكس غياب تعريف عالمي موحد، لأن كثيراً من التنظيمات لا تُصنف بالطريقة نفسها لدى جميع الدول.
ويتابع أن حتى التنظيمات الإسلامية المسلحة لا يوجد إجماع دولي كامل بشأن تصنيفها، موضحاً أن بعض الدول تنظر إلى حركات مثل “حماس” أو “الجهاد الإسلامي” أو “حزب الله” باعتبارها حركات مقاومة أو تحرر وطني، بينما تصنفها دول أخرى ضمن التنظيمات الإرهابية. ويعزو هذا التباين إلى اختلاف المصالح السياسية والإستراتيجية بين الدول أكثر من ارتباطه بمعايير قانونية ثابتة.
ويرى جلو أن غياب التعريف الموحد للإرهاب أعاد الانقسام بين الفاعلين الدوليين، كما كشف في الوقت نفسه عن إخفاق الإستراتيجية الأميركية في مكافحة الإرهاب. ويشير إلى أن نتائج الحرب التي استمرت عشرين عاماً في أفغانستان تؤكد هذا الفشل، إذ انهارت مؤسسات الدولة الأفغانية سريعاً عقب انسحاب القوات الأميركية، الأمر الذي يعكس، بحسب رأيه، غياب رؤية إستراتيجية طويلة الأمد لإدارة الملف.
ويضيف أن السنوات الماضية شهدت أيضاً ظهور جماعات أكثر تطرفاً في عدد من الدول نتيجة الفراغات الأمنية والسياسية، لافتاً إلى أن العراق يمثل أحد أبرز الأمثلة بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث ظهرت حركة التوحيد والجهاد التي شكلت لاحقاً النواة الأساسية لتنظيم “داعش”، الذي أصبح، بحسب وصفه، أخطر التنظيمات الإرهابية وأكثرها قدرة على تنفيذ عمليات في مناطق جغرافية متعددة حول العالم.
ويشير إلى أن تضارب المصالح بين القوى الدولية والإقليمية أدى إلى إضعاف الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب، لأن الأولوية لدى كثير من الدول أصبحت مرتبطة بمصالحها السياسية وليس بمواجهة التطرف بصورة شاملة.
ويعتقد أن هذا الواقع منح بعض التنظيمات المسلحة فرصة للاستفادة من التناقضات الدولية وتوسيع مناطق نفوذها، مستغلة الفراغات الأمنية وضعف مؤسسات الدولة في عدد من البلدان، ولا سيما في بعض الدول الإفريقية التي استعادت فيها جماعات متشددة نشاطها وتأثيرها.
المصالح الدولية واستثمار التنظيمات
ويتابع جلو أن تجربة جبهة النصرة، ثم هيئة تحرير الشام لاحقاً، تقدم مثالاً واضحاً على تأثير تضارب المصالح الدولية. ويشير إلى أن الهيئة كانت مصنفة ضمن التنظيمات الإرهابية، إلا أن تباين المصالح بين الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية، إضافة إلى الحسابات المتعلقة بالحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، فتح المجال أمام تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة، سواء كانت ضمنية أو معلنة، انعكست على مسار الأحداث في سوريا.
ويلفت إلى أن هذه التفاهمات، إلى جانب الدعم الذي قدمته أطراف إقليمية مختلفة، ومنها تركيا وقطر، أسهمت في تغير موازين القوى داخل سوريا، وهو ما يعكس، برأيه، أن التنافس بين القوى الدولية قد يؤدي أحياناً إلى إعادة توظيف بعض التنظيمات وفقاً للمصالح السياسية، وليس استناداً إلى معايير ثابتة في مكافحة الإرهاب.
ويعتبر أن هذه التباينات تتيح لبعض التنظيمات المسلحة فرصة لتعزيز نفوذها، وربما السيطرة على مناطق أو مؤسسات داخل الدول التي تنشط فيها، مستفيدة من تضارب مواقف القوى الدولية وعدم وجود سياسة موحدة تجاهها.
ويؤكد جلو أن غياب تعريف دولي موحد للإرهاب يبقى السبب الرئيس وراء تراجع فعالية جهود مكافحة الإرهاب عالمياً، مشيراً إلى أن التصنيفات المعتمدة في كثير من الأحيان تخضع لاعتبارات سياسية أكثر من اعتمادها على معايير قانونية أو موضوعية.
ويضرب مثالاً بالحزب التركستاني، الذي تصنفه الصين تنظيماً إرهابياً، بينما يرى أن مطالبه ترتبط، من وجهة نظر مؤيديه، بحقوق سياسية أو إدارية داخل إقليمه، الأمر الذي يعكس اختلاف النظرة إلى التنظيمات غير الحكومية من دولة إلى أخرى تبعاً لطبيعة النظام السياسي ومصالحه.
ويضيف أن هذا التباين في التصنيف يسمح للدول باستغلال بعض الفاعلين غير الحكوميين لتحقيق أهدافها السياسية أو توسيع نفوذها، في حين يبقى التعاون الحقيقي بين الدول في مجال مكافحة الإرهاب محدوداً، لأن الملف يستخدم في كثير من الأحيان كأداة ضغط سياسية أكثر من كونه مشروعاً دولياً مشتركاً.
ويشير إلى أن التجربة اللبنانية تمثل مثالاً آخر، موضحاً أن القرارات الدولية المتعلقة بنزع سلاح حزب الله بعد حرب عام 2006 لم تطبق بصورة كاملة نتيجة التفاهمات غير المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران، فضلاً عن الدور الفرنسي في الملف اللبناني، وهو ما أسهم، بحسب رأيه، في استمرار نفوذ الحزب وتعزيز حضوره داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.
ويتابع أن تنظيمات أخرى في مناطق مختلفة من العالم استفادت أيضاً من هذا الواقع، سواء عبر إطالة أمد بقائها أو توسيع نفوذها، لافتاً إلى أن التنظيمات التي تبقى عملياتها محصورة داخل نطاق محلي غالباً ما تحظى باهتمام دولي أقل مقارنة بالتنظيمات التي تنفذ عمليات عابرة للحدود.
ويختتم جلو حديثه بالقول إن تنظيم “داعش” حظي باهتمام دولي واسع لأنه وسع نطاق عملياته إلى خارج الشرق الأوسط، مستهدفاً الولايات المتحدة ودولاً أوروبية، وهو ما دفع المجتمع الدولي إلى التعامل معه باعتباره تهديداً عالمياً.
أما التنظيمات التي يقتصر نشاطها على الساحات المحلية، فإن كثيراً من الدول لا تنظر إليها بالدرجة نفسها من الجدية، وهو ما ينعكس على طبيعة السياسات الدولية المتبعة في التعامل معها، ويجعل مكافحة الإرهاب مرتبطة، في كثير من الأحيان، بحسابات المصالح أكثر من ارتباطها بمعايير موحدة وثابتة.










