نيويورك
سلّمت الحكومة السورية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية 34 صندوقاً مختوماً تحتوي وثائق سرية تعود إلى النظام المخلوع.
وتتعلق الوثائق التي سلمتها الحكومة السورية ببرنامج الأسلحة الكيميائية الذي طوره النظام المخلوع، وقد تم توثيق هذه الصناديق ومسح محتوياتها ضوئياً تمهيداً لترجمتها وتحليلها، وفق ما أفاد به موقع أخبار الأمم المتحدة.
ورحب أديديجي إيبو، نائب الممثلة السامية للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، بهذا التعاون وأكد أن الوقت الراهن يمثل مرحلة حاسمة لجهود نزع السلاح ونظام منع الانتشار.
وأوضح أن الفريق التقني للأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية لم يتمكن منذ عام 2014 من تأكيد دقة واكتمال الإعلان المقدم من النظام المخلوع، مشيراً إلى وجود قلق بالغ بشأن كميات كبيرة من عوامل الحرب الكيميائية والذخائر التي قد تكون لم تُعلن أو تُتحقق منها.
وأشار المسؤول الأممي إلى أن الحكومة السورية تعمل مع الفريق التقني للحصول على إيضاحات بشأن النطاق الكامل للبرنامج، وضمان امتثال سوريا طويل الأمد لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، مثنياً على التقدم المستمر حول هذا الملف.
ومنذ آذار/ مارس 2025، تمت زيارة أكثر من 20 موقعاً، وأجرت المنظمة مقابلات مع خبراء سابقين وجمعت 19 عينة وأكثر من 6000 وثيقة من المواقع التي زارتها، وفق ما ذكره المسؤول الأممي.
وأضاف، أن الزيارات لمزيد من المواقع قد عُلقت مؤقتاً بسبب الوضع الأمني في المنطقة، لكن فرق المنظمة تواصل إجراء المقابلات ومراجعة الوثائق إلى أن يسمح الوضع بإعادة الزيارات بأمان.
وشدد، على ضرورة أن يقدم المجتمع الدولي دعماً كبيراً ومستمراً لإتمام الجهود الهائلة لتخليص سوريا من جميع الأسلحة الكيميائية، مؤكداً وجود فرصة مهمة لنزع السلاح وتعزيز نظام منع الانتشار، وحث مجلس الأمن على الاتحاد وإبداء القيادة لتقديم الدعم المطلوب في هذا الجهد غير المسبوق.
وأكد المسؤول الأممي استعداد الأمم المتحدة لتقديم الدعم ومواصلة دورها في ترسيخ مبدأ عدم استخدام الأسلحة الكيميائية في أي مكان وزمان.
وأمس الثلاثاء، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة حول ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، حيث شددت عدة دول على ضرورة دعم الجهود الدولية للتخلص من هذه الأسلحة ومحاسبة المسؤولين عن استخدامها.
وقالت مندوبة بريطانيا لدى الأمم المتحدة باربرا وودوارد إن بلادها مصممة على تنفيذ التزاماتها للقضاء على التهديد الذي تمثله الأسلحة الكيميائية في سوريا، مرحبة بتقرير فريق التحقيق وتحديد الهوية الذي خلص إلى أن النظام المخلوع شن هجوماً بغاز الكلور على بلدة كفر زيتا عام 2016.
وأضافت أن التقدم الذي تحرزه الحكومة السورية بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية يمثل فرصة سانحة للقضاء على تهديد هذه الأسلحة التي تعود إلى حقبة نظام الأسد بشكل نهائي، مشيرة إلى أن ذلك يتطلب دعماً دولياً مستداماً.
من جانبه، أشاد مندوب اليونان لدى الأمم المتحدة إيفانغيلوس سيكيريس بالتعاون البنّاء بين الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والحكومة السورية في تفكيك الأسلحة الكيميائية التي تعود إلى حقبة الأسد، مؤكداً أن بلاده تعمل بشكل وثيق مع السلطات السورية المختصة لتوفير مساعدة إضافية، ولا سيما في مجال التدريب، بهدف مساعدة سوريا على تنفيذ جميع التزاماتها في هذا المجال.
بدورها، قالت مندوبة لاتفيا لدى الأمم المتحدة سانيتا بافلوتا-ديسلاندس إن الأسلحة الكيميائية تمثل خطراً يهدد الأمن والاستقرار العالمي، داعية إلى دعم سوريا في جهودها للتخلص من هذه الأسلحة.
وفي السياق ذاته، أكد مندوب البحرين لدى الأمم المتحدة جمال فارس الرويعي أن منطقة الشرق الأوسط تواجه حالياً تحديات جسيمة، في مقدمتها ما وصفه بالعدوان الإيراني الغاشم وغير المبرر الذي طال بلاده ودول الخليج وعدداً من الدول العربية، وأدى إلى سقوط ضحايا وإلحاق أضرار مادية، مشدداً على أن هذا العدوان يشكل جريمة تتنافى مع القوانين الدولية والقيم والأعراف الإنسانية.
وأضاف الرويعي أن الاعتداءات الإيرانية تعكس حجم التحديات الإقليمية وتؤكد ضرورة التزام الجميع بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول، مشيراً إلى أهمية تعزيز الجهود الدولية الرامية إلى منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بما يحفظ السلم والأمن الدوليين.
كما شدد على الأهمية البالغة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل دون استثناء، معتبراً أن ذلك يمثل خياراً استراتيجياً لتعزيز الأمن الجماعي وبناء مستقبل قائم على التنمية والسلام، مشيداً في الوقت نفسه بالجهود التي تبذلها سوريا بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، داعياً إلى دعمها لإغلاق هذا الملف بشكل نهائي.
من جهته، أكد مندوب باكستان لدى الأمم المتحدة منير أكرم دعم بلاده القوي لوحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، مشيراً إلى أهمية دعمها لتحقيق تقدم ملموس في مختلف المجالات، معرباً عن تقديره لالتزام سوريا بالتطبيق الكامل لمعاهدة حظر الأسلحة الكيميائية وتعاونها مع الأمانة الفنية لمنظمة الحظر للتخلص من هذه الأسلحة، داعياً إلى تعزيز قدرات الحكومة السورية في هذا الإطار.
اقرأ أيضاً: انتشار الأمراض التنفسية والجلدية بسبب استخدام الأسلحة الكيميائية
بدورها، أكدت مندوبة الدنمارك لدى الأمم المتحدة كريستينا ماركوس لاسن دعم بلادها لإغلاق ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، داعية إلى ضمان عدم إفلات النظام من العقاب على الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب السوري.
وأوضحت المندوبة الدنماركية أن عملية تدمير الأسلحة الكيميائية في سوريا معقدة، لا سيما في ظل نشاط تنظيم “داعش”، الأمر الذي يتطلب دعماً إضافياً لدمشق ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في جهودهما لتدمير هذه الأسلحة.
من جانبه، قال مندوب فرنسا لدى الأمم المتحدة نيكولا دو ريفيير إن بلاده تدعم بشكل كامل جهود الحكومة السورية لبناء مجتمع يحترم جميع مكوناته، مؤكداً أن النظام استخدم الأسلحة الكيميائية لقتل الشعب السوري.
وأضاف ريفيير أن ذكرى الضحايا تلزم المجتمع الدولي ببذل كل الجهود للقضاء على هذه الأسلحة ومحاسبة المسؤولين عن استخدامها، مشدداً على أن تدمير الأسلحة الكيميائية في سوريا يمثل أولوية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
وفي كلمته أمام مجلس الأمن، قال المندوب الدائم لسوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي إن التزام سوريا باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لا يقتصر على كونه التزاماً قانونياً، بل يستند إلى التجربة المؤلمة التي عاشها الشعب السوري كضحية للأسلحة الكيميائية.
وأوضح علبي أن سوريا ترجمت التزامها باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية عملياً انطلاقاً من إيمانها بالعدالة ومنع تكرار هذه الجرائم، مؤكداً أن التخلص النهائي من هذه الأسلحة يمثل مسؤولية وطنية تهدف إلى صون أمن وسلامة السوريين وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأشار إلى أن سوريا تتحمل هذه المسؤولية رغم التحديات الكبيرة والمعقدة التي تواجهها، والتي تشمل الجوانب الأمنية والعملياتية، إضافة إلى الصعوبات الناجمة عن الطبيعة السرية لبرنامج الأسلحة الكيميائية في عهد النظام، فضلاً عن الإرث الثقيل الذي خلفته 14 عاماً من الحرب وما نتج عنها من إنهاك اقتصادي وضعف مؤسسي أثر على الإمكانات الفنية والكوادر البشرية.
وأكد علبي أن سوريا تواصل تعاونها مع الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وقد اتخذت إجراءات لتعزيز هذا التعاون، من بينها إنشاء مجموعة عمل وطنية تقوم بتقديم تقارير شهرية تعكس مستوى الشفافية وانتظام التواصل المؤسسي والتقني مع المنظمة.
ولفت إلى أن سوريا سهلت زيارة أكثر من 25 موقعاً مشتبهاً به، حيث جرى خلال هذه الزيارات جمع عينات بيئية ومراجعة عدد من الوثائق، إضافة إلى إتاحة الوصول إلى أكثر من 10 آلاف وثيقة أصلية وسجل رسمي، مشيراً إلى أن الأمانة الفنية للمنظمة أجرت أيضاً مقابلات مع 19 شاهداً، بينهم أشخاص كانت لهم صلة بالبرنامج الكيميائي خلال فترة النظام السابق.
وأوضح علبي أن الحكومة السورية تواصل التعاون مع فرق منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في التخطيط لزيارات إضافية خلال الفترة المقبلة، بما يشمل زيارة مواقع أخرى والتحضير لأنشطة تدمير المواد الكيميائية في الموقع حيثما تقتضي الظروف.
وفي ما يتعلق بجهود المساءلة، قال علبي إن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أصدرت تقريرها الخامس الذي خلص إلى أن قوات النظام الجوية مسؤولة عن هجوم بغاز الكلور على بلدة كفر زيتا في ريف حماة، مشيراً إلى أن المنظمة رحبت بتعاون سوريا معها ووصفته بأنه أول تعاون من نوعه بعد سقوط النظام، واعتبرته محطة مفصلية في مسار المساءلة الدولية.
وبيّن أن سوريا تواصل التعاون مع فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع للمنظمة بهدف الوصول إلى مساءلة جميع المتورطين في الهجمات الكيميائية التي استهدفت الشعب السوري.
وفي إطار ما وصفه بسياسة الشفافية والانفتاح، أوضح علبي أن اللجنة الوطنية السورية بادرت فور عثور وحدات من وزارة الدفاع على 75 أسطوانة قديمة وفارغة يُشتبه بأنها كانت تحتوي على مواد كيميائية سامة في موقع عسكري مهجور، إلى إبلاغ الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، معربة عن استعدادها لتقديم جميع التسهيلات اللازمة للتعامل مع هذه الأسطوانات.
وذكر أن اللجنة الوطنية أدرجت هذه الأسطوانات ضمن إعلانها الوطني، كما اقترحت نقل عدد منها إلى مقر المنظمة في مدينة لاهاي باعتبارها نموذجاً يبرز مستوى الشفافية والانفتاح وروح التعاون بين سوريا والمنظمة.
غير أن الأمانة الفنية للمنظمة، وفق علبي، رأت ضرورة التريث لبعض الوقت لأسباب تتعلق بالسلامة والأمن، موضحاً أن التأخير الذي حصل أدى، نتيجة خلل في التنسيق، إلى نقل هذه الأسطوانات الفارغة والمهجورة من قبل العاملين في تنظيف الموقع إلى محل حدادة، حيث جرى تفكيكها وتدميرها كخردة معدنية، ما عرض الأشخاص الذين قاموا بهذا العمل لأخطار صحية كبيرة.
وأشار علبي إلى أنه فور علم السلطات السورية بما حدث، سارعت إلى التواصل مع الأمانة الفنية للمنظمة والتحرك إلى مكان وجود الأسطوانات برفقة فريق من المنظمة، حيث جرى التأكد من وجودها كاملة ومدمرة، مع اتخاذ تدابير السلامة اللازمة.
وأكد، أن سوريا تعاملت مع هذه المسألة بأقصى درجات الحرص، وقدمت للأمانة الفنية معلومات جوهرية شملت مقابلة الأشخاص الذين قاموا بتفكيك الأسطوانات، إضافة إلى مقابلة قيادة الموقع العسكري المعني، كما تم أخذ عينات من الموقع الذي نقلت إليه الأسطوانات الفارغة والمدمرة.
وتابع علبي أن ما حدث بخصوص هذه الأسطوانات يبرز الحاجة إلى دعم دولي وبناء القدرات والعمل بشكل سريع، بما يتيح التعاون الفعال مع أي معلومات أو مواد يتم الكشف عنها في المستقبل.
ورأى أن التعامل الفعال مع التحديات القائمة سيظل محدوداً دون دعم الدول الأطراف في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والشركاء الدوليين لسوريا، موجهاً الشكر للدول الصديقة التي بادرت منذ اللحظات الأولى لما وصفه بالتحرير إلى تقديم الدعم للتخلص من تركة النظام السابق من الأسلحة الكيميائية.










