بيروت
كشفت صحيفة “إندبندنت”، في تحقيق نشرته اليوم الجمعة، عن آثار الحرب على لبنانيين قاتلوا في سوريا، متناولةً عبر شهادات مباشرة وتحليل سياسي واجتماعي تداعيات مشاركتهم في الحرب السورية وانعكاساتها العميقة على لبنان.
ووفق ما أوردته الصحيفة، فإن أعداد اللبنانيين الذين شاركوا في الحرب السورية لا تزال غير معروفة بدقة حتى اليوم، بسبب غياب أي بيانات رسمية شفافة، وتعدد مسارات المشاركة بين تنظيمات منظمة وأفراد وشبكات محلية، إضافة إلى طبيعة الحرب نفسها القائمة على التنقل والتناوب بين الجبهات.
ورأت “إندبندنت” أن هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن أزمة الدولة اللبنانية، التي لم تحسم موقفها من الحرب، ولم تجرِ مراجعة وطنية شاملة لنتائجها، ما ترك كل بيئة لبنانية تعود من سوريا بسرديتها الخاصة وذاكرتها المنفصلة ومخاوفها من الأخرى.
وبحسب الصحيفة، لم تكُن الحرب السورية حدثاً خارجياً بالنسبة إلى لبنان، بل تحولت إلى زلزال إقليمي طويل الأثر، ما زالت ارتداداته السياسية والأمنية والاجتماعية تعيد تشكيل لبنان والمنطقة.
وأشارت إلى أن لبنان لم يكن مجرد متفرج، بل طرفاً بصورة مباشرة وغير مباشرة، إذ قاتل لبنانيون في سوريا من موقعين متناقضين، فبعضهم لدعم النظام ضمن معادلات إقليمية واضحة، وآخرون لدعم المعارضة السورية بدوافع سياسية أو مذهبية أو إنسانية، الأمر الذي نقل لبنان من موقع “النأي بالنفس” إلى ساحة خلفية للحرب ومخزن بشري وأمني للصراع.
وأوضحت “إندبندنت” أن نتائج هذا التورط لم تكن عسكرية فقط، بل أعادت صياغة التوازنات الداخلية اللبنانية، حيث عاد السلاح والخطاب السياسي أكثر حدة وانقساماً، ولم تخرج الطوائف اللبنانية من الحرب كما دخلت إليها، فكل بيئة عادت محملة بسرديتها الخاصة: بيئة تعد نفسها منتصرة ومنعت سقوط محور إقليمي، وأخرى تشعر بأنها خذلت وخسرت معركة وجودية، وثالثة وجدت نفسها محاصرة بين الخوف من الفوضى والخشية من الهيمنة.
وتحت عنوان “منطق المحاور على حساب الحدود السيادية”، أكدت الصحيفة أن الحرب السورية كرست منطق المحاور الإقليمية وكسرت فكرة الحدود السيادية، وشرعنت عملياً انتقال المقاتلين والسلاح والأجندات عبر الدول.
وكان لبنان، بحسب التحقيق، النموذج الأكثر هشاشة لهذا التحول، إذ انعكست الحرب عليه كأزمة دائمة لا كحدث طارئ، وأزمة ثقة بين المكونات، وأزمة سلاح وقرار خارج الدولة، وأزمة هوية سياسية لم تُحسم.
ولفتت “إندبندنت” إلى أن الحرب لا تزال حاضرة في لبنان عبر آثارها الاقتصادية والأمنية والخطاب الطائفي وملف النازحين، إضافة إلى السؤال المؤجل حول موقع لبنان في صراعات المنطقة، معتبرة أن ما تغير هو الشكل فقط، فيما بقي الجوهر صراعاً مفتوحاً على معنى الدولة وحدودها ومن يملك قرار الحرب والسلم.
وفي تفصيل مشاركة اللبنانيين، قالت الصحيفة إن لبنان شكّل ما يشبه “هامشاً قتالياً” لحرب أكبر منه، إذ شارك شيعة بغالبيتهم ضمن بنية منظمة ومتماسكة يقودها “حزب الله”، فيما شارك سنة لبنان عبر مسارات أكثر تفككاً، شملت فصائل معارضة وشبكات دعم ومجموعات متشددة ومقاتلين أفراد.
واستعادت الصحيفة اعتراف الأمين العام السابق لـ”حزب الله” حسن نصرالله، في أيار/ مايو 2013، بمشاركة مقاتلي الحزب في القتال بسوريا، وتصريحاته اللاحقة التي ربط فيها المعركة بسوريا بمعادلات إقليمية أوسع.
كما تتناول ما عرف بـ”القصير ضاحية حزب الله الثانية”، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لمدينة القصير في ريف محافظة حمص غربي سوريا بعد سيطرة الحزب عليها عام 2013، وتحولها إلى امتداد لوجستي وعسكري لمعاقله في لبنان.
ولفتت “إندبندنت” إلى أن هذه الحرب أعادت تشكيل البنية الاجتماعية داخل البيئة الشيعية، من عسكرة الخبرة اليومية وتحويل المقاتل إلى نموذج اجتماعي، إلى قداسة التضحية كدرع سياسي يمنع النقد الداخلي، مقابل تراكم صدمات نفسية مكتومة عاد بها كثير من المقاتلين، وبرزت بشكل أوضح مع سقوط النظام، حين طُرحت أسئلة مؤلمة حول جدوى التضحيات.
وفي شهادات مباشرة نشرتها الصحيفة، قال مقاتلون سابقون إنهم لم يشعروا بالندم ولا بالفخر، بل عادوا بحمولات نفسية ثقيلة، معتبرين أن الحرب علمتهم القوة لكنها سلبت منهم البساطة وراحة البال، وأن “الحرب أسهل من العيش بعدها”.
وشدد آخرون على أنهم لم يدخلوا الحرب دفاعاً عن بشار الأسد بقدر ما رأوها معركة وقائية لحماية توازنات ومواقع إقليمية، معتبرين أن تبسيط المشاركة بوصفها دفاعاً عن شخص أو نظام لا يعكس الواقع كما عاشوه من الداخل.
وعلى الطرف السني، ذكرت “إندبندنت” أن المشاركة لم تكن قراراً مركزياً، بل مسارات متعددة، بدأت بالتعاطف مع الثورة السورية ثم تدرجت إلى التفكك والتطرف فالانكفاء.
وأكدت الصحيفة أن هذه التجربة خلّفت شعوراً عميقاً بالمظلومية، نتيجة وصم بيئات كاملة بالإرهاب، وتوقيف كثيرين عادوا إلى لبنان، حتى أولئك الذين اقتصرت مشاركتهم على العمل الإنساني، من دون محاكمات عادلة أو أحكام نهائية.
وفيما يتعلق بالأرقام، تطرقت “إندبندنت” إلى تقارير أجنبية، بينها وكالة “رويترز” وصحف فرنسية، تقديرات متضاربة لأعداد اللبنانيين الذين شاركوا في الحرب السورية، فبحسب تقارير عام 2013، تراوح عدد مقاتلي “حزب الله” الموجودين في سوريا آنذاك بين ألفين وأربعة آلاف، مع تقديرات لاحقة تشير إلى أن مجموع من تناوبوا على القتال قد يكون أعلى بكثير، أما بالنسبة إلى المقاتلين السنة، فالأرقام أقل وضوحاً وأكثر حساسية، نظراً لطبيعة المشاركة الفردية أو الشبكية.
وخلصت الصحيفة إلى أن أخطر نتائج الحرب السورية على لبنان لم تكن في عدد المقاتلين أو القتلى، بل في تآكل فكرة الدولة كمرجعية نهائية، وتحول لبنان إلى مجموعة بيئات لكل منها تصورها الخاص للأمن والحماية.
وشددت على أن الحرب السورية لم تنتهِ في لبنان بانتهاء المعارك، بل استمرت كعامل تفكيك بطيء للنسيج الداخلي وملف مفتوح مؤجل الانفجار، معتبرة أن الأرقام لا تشرح فقط حجم المشاركة، بل تفسر أيضاً لماذا لا يزال لبنان يعيش نتائج تلك الحرب كحاضر مستمر لا كماضٍ منتهٍ.










