رغم بقاء أنقاض الحرب شاهدة على عقدٍ من الجمود الدولي، برز تحرّك لافت في كواليس الرياض مع إعلان المستشار الأول في وزارة الاقتصاد بالحكومة السورية الانتقالية، أسامة القاضي، عن مقترح لعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا برعاية أميركية وبمشاركة مؤسسات مالية دولية، في خطوة وُصفت بأنها منعطف محتمل في مسار ملفٍ ظل عالقاً بين الدمار والعقوبات، إذ يُنظر إلى المؤتمر كجسر عملي بين رفع العقوبات والانطلاق الفعلي بعملية الإعمار، غير أن خبراء يحذرون من تضخيم الآمال، مؤكدين أن أي إعادة إعمار حقيقية تبقى مرهونة بتسوية سياسية شاملة.
الطموح الاقتصادي والتعقيد السياسي
أعاد الحديث عن مقترح عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا في العاصمة السعودية الرياض، برعاية أميركية ومشاركة مؤسسات مالية دولية، تسليط الضوء على واحد من أكثر ملفات الصراع السوري تعقيداً: هل يمكن فصل الإعمار عن السياسة، أم أن الإعمار ذاته بات أداة سياسية؟
المحلل السياسي نجم العبدالله يرى في تصريحات لـ”963+” أن التصريحات الصادرة عن المستشار أسامة القاضي، توحي بأن المؤتمر في حال انعقاده، سيكون محطة مفصلية تهدف إلى معالجة العقبات البنيوية أمام إعادة الإعمار، وفي مقدمتها هشاشة القطاع المصرفي، وضعف الثقة الاستثمارية، وغياب الاندماج في النظام المالي العالمي”.
ويضيف: غير أن هذه العناوين، على أهميتها، تفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتجاوز الاقتصاد إلى صلب المعادلة السياسية الإقليمية والدولية، فاختيار الرياض لاستضافة مؤتمر من هذا النوع يحمل دلالات سياسية واضحة، فالسعودية التي تسعى إلى ترسيخ دورها كفاعل إقليمي قادر على إدارة التوازنات، تبدو مؤهلة للعب دور منصة حوار بين دمشق، واشنطن، والمؤسسات المالية الدولية، لكن هذا الدور لا يعني بالضرورة تبنّي مشروع الإعمار بقدر ما يعكس محاولة تنظيم مسار محتمل له، ضمن اشتراطات سياسية واقتصادية محددة، تضمن عدم تحوّل الإعمار إلى عبء سياسي أو مالي على الأطراف الراعية.
ويرى العبدالله أن مؤتمر الرياض يتجاوز الاقتصاد إلى اختبار سياسي لدور السعودية كمنصة توازن بين دمشق وواشنطن، ومحاولة لتنظيم الإعمار بشروط دولية ورعاية أميركية قد تفضي إلى “تطبيع مالي مشروط”، ليبقى السؤال: هل يسبق المال الحل السياسي أم يبقى الإعمار رهينة تسويات غير مكتملة؟
ويختم العبدالله بأن التكلفة التقديرية (216 مليار دولار وفق البنك الدولي) تتجاوز قدرة أي مؤتمر واحد، مع أهمية وجود الأمن المستدام، فالمستثمر جبان بطبعه، وأي توتر على الحدود (مثل التحركات الإسرائيلية في الجنوب أو نشاط داعش في البادية) يجمّد تدفق الأموال، ومع ذلك فإعادة الإعمار ليست مجرد “أسمنت وحديد”، بل هي بيئة تشريعية وسياسية متكاملة، ومؤتمر الرياض، إن عُقد، سيكون اختباراً دولياً للنوايا قبل أن يكون مؤتمراً للتمويل، فالإعمار لا يبدأ بالأموال، بل بالثقة، ولا يُقاس بحجم التعهدات، بل بقدرة الدولة على إدارة هذه الأموال بشفافية ومسؤولية، وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، يبقى الإعمار في سوريا مشروعاً مؤجلاً، تُناقَش شروطه أكثر مما تُرصد له الموارد.
هل وفرت دمشق “بيئة صديقة” للمستثمر الخليجي والأجنبي؟
يقول الخبير الاقتصادي السوري المقيم في الرياض تميم القحطاني في تصريحات لـ”963+” إن توصيف المستشار أسامة القاضي، المؤتمر فرصة لبناء “جسر عملي” بين مساري رفع العقوبات وإطلاق عملية إعمار حقيقية، تلخص أن الفكرة المحورية التي يجب التوقف عندها هنا أن الإعمار لن يكون مجرد “قرار سياسي”، بل نتيجة تفاهمات تقنية عميقة حول: إصلاح القطاع المصرفي، وتقديم ضمانات سيادية واستثمارية، وإعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي، وفي هذا التصور، يصبح المؤتمر أشبه بغرفة عمليات لوضع “خريطة طريق مالية” تسبق الجرافات والإسمنت، وتحدد من سيموِّل، وكيف، وتحت أي مظلة قانونية.
ويرى القحطاني أن هشاشة البنية الاقتصادية والمصرفية في سوريا تمثل جوهر المخاطر أمام أي استثمار دولي، إذ يعاني النظام المصرفي من ضعف الثقة محلياً ودولياً، وغياب الاندماج الفعلي مع الشبكات المالية العالمية، ومحدودية قدرته على تمويل المشاريع الكبرى أو ضمان تحويل الأرباح ورؤوس الأموال، إلى جانب ضعف التشريعات وغياب إطار قانوني ورقابي وقضائي مستقر وموثوق، وهي شروط أساسية لا يمكن تجاوزها، ما يجعل السوق السورية بيئة عالية المخاطر حتى في حال رفع العقوبات، ويُبقي تساؤلات جوهرية دون إجابة حول حماية الملكية، وحل النزاعات، وضمان حرية حركة الأموال بعد دخول الاستثمارات.
هل سيكون المؤتمر جسراً بين ضفتي العقوبات والإعمار؟
يرى الخبير الاقتصادي محمود الحسن في تصريحات لـ”963+” أنه يُنظر إلى مؤتمر الرياض المرتقب بوصفه تحولاً محتملاً في مقاربة الملف السوري، عبر نقل الثقل من مسارات التفاوض السياسي المتعثرة إلى منصات الدعم الاقتصادي، إذ تتجاوز تصريحات القاضي فكرة جمع التبرعات نحو محاولة إعادة هندسة النظام المصرفي السوري ودمجه في الشبكة المالية العالمية تحت غطاء ورعاية أميركية غير مسبوقة، بما يوحي بتفاهمات تتجاوز عقبات “قانون قيصر” وتعيد للرياض دور قيادة الملف عبر “الديبلوماسية المالية”، غير أن هذا المسار يبقى مشروطاً بضمانات سيادية وإصلاحات مصرفية وقانونية عميقة لإعادة بناء الثقة الدولية، في ظل تحديات كبرى تتعلق باستقرار سعر الصرف، وعزلة المصارف السورية، والرقابة على التحويلات، وهشاشة القوانين الناظمة، ما يضع سؤال حماية رؤوس الأموال الأجنبية في صلب أي محاولة لتحريك الاقتصاد السوري.
هل اقتربت ساعة الإعمار؟
تقول الباحثة الاجتماعية سهام مروان في تصريحات لـ”٩٦٣+” إن أهمية المؤتمر تظهر كونه يمس مستقبل ملايين السوريين واستقرار المنطقة اقتصادياً واجتماعياً، ومدى قدرة المواطن السوري على البقاء في بلده لإنهاء ظاهرة “الهجرة”، ورغم أن الحديث يدور عن أرقام واستثمارات، إلا أن البعد الإنساني يظل حاضراً.
وفي ظل تقديرات أممية تشير إلى خسائر تجاوزت 400 مليار دولار، وواقع يعيش فيه أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، يثير مؤتمر الرياض، بحسب مروان تساؤلات عميقة، خاصة لدى الشباب السوري، حول ما إذا كان بوابة لفرص عمل حقيقية واقتصاد معرفة وشركات ناشئة مدعومة بتشريعات واضحة، أم مجرد صفقات لشركات كبرى، مع دور محتمل للمغتربين كجسر مالي وتكنولوجي للإعمار، إذ تؤكد الباحثة أن إعادة الإعمار لا تعني بناء الحجر فقط بل إعادة بناء الثقة والعقد الاجتماعي، محذّرة من أن أي إعمار منفصل عن معالجة جذور الأزمة قد يكرّس وقائع اقتصادية جديدة دون تحسين حياة السوريين، لتبقى نجاحات المؤتمر، إن عُقد، مرهونة بقدرة دمشق على تقديم ضمانات حقيقية للمواطنين تحول “الدولارات الإعمارية” من وعود في قاعات الفنادق إلى تغيير ملموس في المدن المدمّرة.
ما الذي يمكن أن ينجزه المؤتمر فعلياً؟
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد لـ”963+”: إذا انعقد مؤتمر الرياض بالشكل الذي يتم الترويج له، يمكن أن يتحرك على مستويين: مستوى سياسي “رمزي” هو تأكيد أن ملف إعادة إعمار سوريا بات مطروحاً على طاولة تفاهمات دولية ـ إقليمية، وليس مجرد شعار، ومستوى “اقتصادي” هو محاولة بلورة آليات محددة، مثل: برامج لإصلاح القطاع المصرفي تحت إشراف أو بمشورة مؤسسات مالية دولية، وصياغة أدوات ضمان استثماري (سيادي وتجاري) تشجع رأس المال العربي والأجنبي.
ويضيف مراد أن الفارق بين مؤتمر يطلق ديناميكية جديدة، وآخر ينتهي إلى بيان ختامي منمّق، سيُقاس بقدرة الأطراف على ترجمة العناوين العريضة إلى خطوات عملية ملزِمة زمنياً ومحمية سياسياً وقانونياً.










