منذ قيام دولة إسرائيل في عام 1948، لم تمر العلاقات التركية الإسرائيلية بمنعطف حاد وخطير كالذي نشهده اليوم. فلأول مرة في تاريخ هذا الصراع المكتوم، يبدو أن تل أبيب قد نفد صبرها وقررت حرق الجسور التي كانت تربطها بأنقرة، متجاوزةً بذلك سياسة “الاحتواء الهادئ” التي اتبعتها لأكثر من عشرين عاماً. نحن اليوم أمام ما يمكن تسميته بـ “القرار الكبير”: قرار القطيعة الاستراتيجية الشاملة، والعمل الممنهج على تقويض الدور التركي إقليمياً ودولياً.
لعقود طويلة، كانت إسرائيل تبني سياساتها تجاه تركيا على أملٍ لم يتحقق؛ وهو أن النظام الذي صعد على أنقاض “الكمالية” العلمانية قد يجد في النهاية نقطة توازن مع التطلعات الإسرائيلية. كان الاعتقاد السائد في الدوائر الأمنية والسياسية الإسرائيلية هو أن حزب العدالة والتنمية، برغم خطابه الإسلامي، سيظل محكوماً بمصالح “الدولة العميقة” التي ترى في إسرائيل شريكاً أمنياً واقتصادياً لا غنى عنه في حوض المتوسط.
إلا أن مسار الأحداث أثبت عكس ذلك. فقد اتجه الرئيس رجب طيب أردوغان نحو ما يسميه “العمق الإسلامي”، محاولاً استعادة أمجاد إمبراطورية غاربة من خلال لعب دور “المدافع الأول” عن القضايا الإسلامية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا التوجه لم يكن مجرد مناورة سياسية داخلية، بل كان تحولاً أيديولوجياً وضع أنقرة في صدام مباشر مع الرؤية الإسرائيلية للمنطقة.
تحول العقيدة الإسرائيلية: من الاحتواء إلى المواجهة
اليوم، نرى إسرائيل تتحرك وفق تقويم جديد تماماً. لم يعد الهدف هو إصلاح العلاقة مع أنقرة، بل محاصرة نفوذها. تستغل إسرائيل في ذلك الأزمات الخانقة التي تعيشها الدولة التركية؛ فالاقتصاد التركي الذي كان يوماً فخر أردوغان، يرزح الآن تحت وطأة تضخم غير مسبوق وانهيار في قيمة العملة، يرافقه أزمة ثقة داخلية بين المعارضة والسلطة، وفشل دبلوماسي في ملفات شائكة من ليبيا إلى شرق المتوسط.
هذا “الضعف البنيوي” في الدولة التركية هو ما منح إسرائيل الضوء الأخضر للانتقال من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. ولم يعد الأمر يقتصر على التصريحات الديبلوماسية، بل امتد ليشكل تحالفات جيوسياسية صلبة تهدف إلى خنق الطموحات التركية.
أبرز تجليات هذا التحول هو التحالف الاستراتيجي المتنامي بين إسرائيل وكل من اليونان وقبرص. هذا “المحور الثلاثي” لم يعد مجرد تعاون تقني في مجال الغاز والطاقة، بل تحول إلى حائط صد سياسي وعسكري في مواجهة تركيا. المناورات العسكرية المشتركة، والاتفاقيات الأمنية العميقة، جعلت من شرق المتوسط مساحة محاصرة للتحركات التركية، مما زاد من الضغوط الديبلوماسية على أنقرة وأفقدها حرية الحركة في مياهها الإقليمية المزعومة.
إن إسرائيل تدرك تماماً أن تقوية اليونان وقبرص تعني بالضرورة إضعافاً للموقف التركي في أي مفاوضات مستقبلية حول ترسيم الحدود البحرية أو تقاسم موارد الطاقة، وهو ما يضع أنقرة في عزلة “جيوسياسية” خانقة.
لكن الضربة القاصمة التي تخشاها تركيا تكمن في مكان آخر؛ في قلب الجزيرة العربية وعلى حدودها الجنوبية. فإذا نجحت إسرائيل في الوصول إلى تفاهمات صلح وسلام تاريخية مع المملكة العربية السعودية، وإذا ما حدث تحول غير مستبعد في الملف السوري، فإن تركيا ستجد نفسها وحيدة تماماً.
دخول السعودية في دائرة “السلام الإقليمي” سيسحب البساط من تحت أقدام تركيا التي حاولت طويلاً تصوير نفسها كقائدة للعالم الإسلامي السني. أما التوصل إلى تسوية في سوريا تضمن المصالح الإسرائيلية، فسيعني تقليص نفوذ تركيا في الشمال السوري وإغلاق ملف “العمق الاستراتيجي” الذي راهنت عليه أنقرة لسنوات. في هذا السيناريو، ستفقد تركيا أهم مرتكزات سياستها الإقليمية، وستخسر الدعم الدولي الذي كانت تستخدمه كأداة للمقايضة مع القوى الكبرى.
إن المستقبل التركي في ظل هذه المعطيات يبدو ضبابياً وغير واضح المعالم. فالداخل التركي لم يعد قادراً على تحمل تكلفة السياسات الخارجية الصدامية، والناخب التركي بات يولي أهمية للرغيف أكثر من الشعارات العابرة للحدود. وفي حال استمرت إسرائيل في نهج “القطيعة الاستراتيجية” ونجحت في بناء شبكة تحالفاتها الجديدة، فإن تركيا قد تجد نفسها مضطرة للتراجع والانكفاء على الذات، أو مواجهة انهيار استراتيجي شامل.
إننا نشهد إعادة رسم لخارطة التحالفات في الشرق الأوسط، حيث لم تعد تركيا هي “اللاعب الضروري” الذي لا يمكن الاستغناء عنه. بل على العكس، أصبحت تركيا في المنظور الإسرائيلي “عبئاً إقليمياً” يجب تحجيمه.
في الختام، يمكن القول إن إسرائيل قد اتخذت قرارها التاريخي بإنهاء “عصر المجاملات” مع أنقرة. هذا القرار ليس مجرد رد فعل على تصريحات عابرة، بل هو استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بما يضمن عزل تركيا أو على الأقل إجبارها على العودة إلى حدودها الجغرافية والسياسية التقليدية. وبين مطرقة الأزمة الاقتصادية وسندان التحالفات الإسرائيلية الجديدة، يبقى التساؤل: هل تملك تركيا أوراقاً للمناورة، أم أن قطار التحولات الكبرى قد فاتها بالفعل؟
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










