في ظل الحراك الأميركي المتزايد تجاه الملف السوري، جاءت زيارة المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك إلى إسرائيل لتسلّط الضوء على مسار معقّد من التفاهمات الأمنية والضغوط السياسية المتبادلة، وسط تباين واضح في قراءة طبيعة هذه التحركات وحدودها.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، يسعى باراك خلال زيارته إلى بحث وضع “خطوط حمراء” تتعلق بسوريا، في وقت تشير فيه التقديرات الأميركية إلى أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يُنظر إليه في واشنطن على أنه “حليف يحاول تحقيق استقرار الدولة السورية ودفعها للأمام”، مع خشية أميركية من أن تؤدي كثرة العمليات الإسرائيلية إلى تقويض حكمه. غير أن هذه المقاربة، بحسب الباحث والمحلل السياسي حسان عليان، تصطدم بواقع مختلف على الأرض.
اقرأ أيضاً: تقرير إسرائيلي: توماس باراك سيحدد خطوطاً حمراء بشأن سوريا – 963+
خطوط حمراء
ويقول عليان لـ”963+” إن “سوريا تواجه شروطاً إسرائيلية تعجيزية”، موضحاً أن “الإدارة السورية برئاسة أحمد الشرع تمتلك معرفة كاملة بالمطالب الإسرائيلية، إلا أن هذه المطالب تقوم على تقديم تنازلات سورية واسعة من دون مقابل إسرائيلي حقيقي”.
ويضيف أن “الحديث يقتصر جزئياً على الانسحاب من الجنوب، من دون التطرق إلى قضايا أساسية مثل جبل الشيخ أو الجولان”، معتبراً أن ذلك “نقطة سلبية في مسار التعاطي الحالي”.
وفي مقابل الإشادة الأميركية بالشرع، يرى عليان أن هناك تناقضاً صارخاً في السلوك الإسرائيلي، إذ يقول إن “الإشادة الأميركية بالشرع، ولا سيما من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتناقض مع السياسات الإسرائيلية التي تمضي في استباحة الجغرافيا السورية”، مشيراً إلى أن “إسرائيل تسعى إلى استثمار الواقع الديموغرافي في مناطق الساحل والسويداء وبين الأقليات والأكراد، من دون ضمان أمن أو سيادة سوريا”.
في هذا السياق، يبرز الدور التركي كعامل توازن محتمل. ويشير عليان إلى أن “اصطفاف تركيا إلى جانب سوريا”، مستنداً إلى العلاقة الخاصة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وترامب، “قد يسهم في فرض وقائع جديدة تتيح تحسين الشروط السورية والحد من الضغوط الإسرائيلية”.
ويربط ذلك مباشرة بزيارة باراك، معتبراً أن “زيارة توم باراك إلى إسرائيل ولقاءه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأتي في سياق إعطاء دفعة لمسار التهدئة في ظل التحديات الداخلية الإسرائيلية والملفات المرتبطة بسوريا”.
تفاهمات أمنية
ويتقاطع هذا الطرح جزئياً مع قراءة محمود حسين، نائب رئيس اتحاد الجامعات الدولي للشؤون الإعلامية، الذي يرى أن “زيارة توم باراك إلى إسرائيل ولقاءه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يمكن أن تسهما في تعزيز التوازن بين تركيا وإسرائيل في الملف السوري، عبر فتح قناة اتصال مباشرة تتيح لتل أبيب دوراً أكثر فاعلية في الشأن السوري من دون المساس بالمصالح التركية”.
ويضيف حسين لـ”963+” أن “تصريحات باراك حول التعاون مع المنطقة تعكس توجهاً أميركياً لدمج تركيا ضمن مسار التفاهمات الإقليمية”، معتبراً أن ذلك “قد يخفف من حدة التنافس السابق ويفتح المجال أمام فرص مشتركة لدعم الاستقرار، ولا سيما في جنوب سوريا”.
وبحسب حسين، فإن الزيارة لا تقتصر على بعدها السياسي، بل تحمل أبعاداً أمنية مباشرة، إذ يقول إن “الزيارة قد تمهد لإعادة رسم خطوط النفوذ في الجنوب السوري، من خلال تبادل وجهات النظر بشأن وقف إطلاق النار وتخفيف التوترات”، مرجحاً أن “تتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة تحديد المناطق الأمنية بطريقة تقلل الاحتكاك بين الفصائل المحلية والتدخلات الخارجية”.
ويضيف أن “الحديث عن محادثات هادئة مع إسرائيل يدل على وجود مساحة لإدارة مشتركة للأزمات بما يخفض احتمالات المواجهة الإقليمية”.
اقرأ أيضاً: توماس باراك إلى إسرائيل لبحث التوصل لاتفاق مع سوريا – 963+
وفي المقابل، يقدم الديبلوماسي السوري السابق بشار الحاج علي مقاربة أكثر تحفظاً، مؤكداً أن “زيارة توم باراك لا تفتح قناة تفاوض أمنية بين دمشق وتل أبيب بالمعنى التقليدي، بل تؤسس لمسار اتصال أمني منخفض السقف”، موضحاً أن “واشنطن تقوم بدور صندوق البريد الموثوق أكثر من كونها وسيطاً سياسياً”.
ويشرح الحاج علي لـ”963+” طبيعة هذا المسار بالقول إن “ما يجري تداوله يقتصر على تفاهمات تقنية تتعلق بقواعد الاشتباك وخطوط الفصل ومنع الاحتكاك غير المحسوب في جنوب سوريا”، مشدداً على أنه “لا يشمل أي اعتراف متبادل، ولا مفاوضات سلام، ولا حتى مساراً سياسياً موازياً”.
ويضيف أن “أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة هو إدارة المخاطر لا حلها، وهو إنجاز مؤقت بطبيعته الهشة”.
وحول خلفيات التحرك الأميركي، يقول الحاج علي إن الزيارة “تندرج ضمن مقاربة مزدوجة تقودها واشنطن، تقوم أولاً على إدارة الصراع، ثم على إعادة ضبط السلوك الإسرائيلي ضمن هوامش واقعية، من دون السعي إلى تقييد إسرائيل استراتيجياً”.
ويضيف أن “الهدف الأميركي هو منع تل أبيب من الذهاب بعيداً في خطوات قد تحرج الولايات المتحدة أو تهدد استقرار مرحلة ما بعد الأسد، ولا سيما في ظل هشاشة الجنوب السوري وتشابك الفاعلين المحليين”.
اقرأ أيضاً: حكومة على حافة الاضطراب: نتنياهو يحاول الموازنة بين ضغطين – 963+
في المقابل، يرى عليان أن واشنطن تمتلك أدوات ضغط مباشرة، إذ يقول إن “التحركات الأميركية الأخيرة، بما فيها رفع مشروع قانون قيصر مؤقتاً، تمنح واشنطن أدوات ضغط على نتنياهو لمنع التصعيد وعدم توظيف الملف السوري لخدمة أجندته الداخلية”.
ويضيف أن “رفض دمشق لمطالب مثل إنشاء ممر إنساني من الأراضي المحتلة باتجاه السويداء يعكس تمسكها بوحدة الأراضي السورية”، معتبراً أن ذلك “يتقاطع مع مواقف إقليمية لتركيا والسعودية”.
مكاسب محدودة
وعن المكاسب المحتملة لدمشق، يقول الحاج علي إن “نجاح واشنطن في فرض تفاهمات أمنية مؤقتة مع إسرائيل قد يمنح دمشق مكاسب ديبلوماسية تكتيكية”، موضحاً أن أبرز هذه المكاسب هو “الانتقال من موقع الملف الهامشي إلى الشريك الضروري”.
ويضيف أن “أي تفاهم أمني، ولو كان مؤقتاً، يوفر اعترافاً عملياً بقدرة الحكومة على ضبط الأرض، ويخفف الضغط العسكري في الجنوب، ويفتح نافذة تواصل غير معلنة مع الغرب يمكن استثمارها لاحقاً في ملفات العقوبات وإعادة الإعمار”.
وفي السياق نفسه، يربط حسين بين التفاهمات الأمنية والوضع الاقتصادي، قائلاً إن “نجاح أي تفاهمات أمنية برعاية واشنطن بين سوريا وإسرائيل من شأنه أن يعزز موقع سوريا في المعادلة الإقليمية”، وإن ذلك يتم “عبر منح الحكومة السورية اعترافاً دولياً وفرصة لإعادة تحريك الاقتصاد”.
ويضيف أن “الرفع الجزئي للعقوبات، الذي أُعلن عنه مؤخراً، قد يفتح الباب أمام الاستثمارات وإعادة الإعمار، بما يعزز مكانة سوريا كشريك استراتيجي في المنطقة بعد سقوط النظام السابق”.
لكن الحاج علي يختتم بتحذير واضح، إذ يقول إن “هذه المكاسب تبقى محدودة وغير استراتيجية، وترتبط بقدرة دمشق على تحويل التفاهم الأمني إلى رصيد سياسي”، محذراً من أن “الزيارة قد تُستهلك كما استُهلكت مبادرات سابقة إذا اقتصر الأمر على التزامات أمنية صامتة من دون استثمار سياسي فعلي”.
وفي خلاصة المشهد، تتقاطع تصريحات المصرحين عند توصيف زيارة باراك كـ”خطوة أميركية تهدف إلى التهدئة وإدارة المخاطر، لكنها تكشف في الوقت نفسه حجم التباين بين الرهانات السورية، والحسابات الإسرائيلية، والسقف الأميركي الذي لا يتجاوز، حتى الآن، حدود ضبط الصراع لا حسمه”.










