باريس
يتواصل في باريس مسار محاكمة شركة “لافارج” الفرنسية للإسمنت، المتهمة بتمويل تنظيمات إرهابية خلال فترة عملها في سوريا، وسط ظهور شهادات ومعطيات جديدة تشير إلى احتمال وجود صلات بين الشركة وأجهزة الاستخبارات الفرنسية، وفق ما أفاد به موقع “ميدل إيست أونلاين”.
وقال الموقع، إن “لافارج” تحاكم بصفتها شخصاً اعتبارياً إلى جانب ثمانية متهمين، بينهم أربعة مديرين فرنسيين سابقين ووسيطان سوريان يُشتبه بتفاوضهما مع تنظيمات إرهابية، إضافة إلى مسؤولين أمنيين أحدهما أردني والآخر نرويجي.
وبحسب “ميدل إيست أونلاين“، أكد المحامي كونتان دو مارجيري، وكيل المدير التنفيذي السابق للشركة برونو لافون، أن الاستخبارات الفرنسية استفادت من استمرار وجود لافارج في سوريا، مطالباً برفع السرية عن جميع الوثائق المتعلقة بالقضية والمحفوظة لدى وزارتي الداخلية والخارجية، وأن تلك المؤسسات كانت على علم بما كان يحدث.
ونفى لافون معرفته بوجود مفاوضات أو مدفوعات للتنظيمات الإرهابية في سوريا حتى آب/ أغسطس 2014، مؤكداً أنه لم يشك في وقوع ذلك سابقاً.
في المقابل، نقل الموقع عن شاهد من جهاز الاستخبارات الداخلية الفرنسية حضر عبر الاتصال المرئي قوله إن الجهاز لم يطلب من موظفي “لافارج” أي معلومات استخباراتية، بينما طالبت محامية المتهم كريستيان هيرو، سولانج دوميك، برفع السرية عن وثائق تثبت وجود مراسلات واجتماعات عديدة بين الأمن الداخلي الفرنسي ومدير أمن لافارج جان كلود فييّار.
وكشف المدير التنفيذي السابق لفروع الشركة في سوريا بين 2014 و2016 فريديريك جوليبواغ، أنه قدم بالفعل معلومات للاستخبارات الخارجية الفرنسية، وأن الجهاز تواصل معه في بلدين بالشرق الأوسط، بل وطلب منه توظيف موظفين سابقين كمخبرين.
ووفق ما أورده “ميدل إيست أونلاين”، أوضح المدير التنفيذي الأسبق للشركة في سوريا بين 2008 و2014 برونو بيشو، أن باريس أوصت رعاياها بمغادرة سوريا منذ 2012، لكنه واصل إدارة العمليات من مصر رغم تصاعد المخاطر.
وأشار إلى أنه كان يقترح مراراً وقف الأنشطة أو تعديل السياسات، لكن الإدارة كانت مصرة على مواصلة العمل، فيما بقي المصنع مفتوحاً بعمال سوريين رغم انسحاب الموظفين الفرنسيين.
كما نقل الموقع شهادات قدمتها منظمات حقوقية وموظفون سوريون سابقون، أكدوا فيها زيادة العنف وانتشار الحواجز المسلحة والخوف من الخطف، واستغرابهم من استمرار تشغيل المصنع رغم انسحاب الفرنسيين، قبل أن يفرّوا بعد الهجوم على المنشأة عام 2014.
وبحسب “ميدل إيست أونلاين”، اعترف المتهم كريستيان هيرو بأن جماعات متعددة كانت تفرض “أتاوات” لضمان مرور الشاحنات وسلامة الموظفين، وأن المدفوعات التي بدأت كحل مؤقت تحولت إلى ممارسة ثابتة.
وأكد المدير التنفيذي الأسبق للشركة في سوريا بين 2008 و2014 برونو بيشو أن الوسيط السوري فراس طلاس طلب عام 2012 تعديل طريقة الدفع إلى “بيانات نفقات”، وأن الإدارة المالية كانت على علم بذلك، في حين لم يحضر طلاس حتى الآن أي جلسة رغم كونه شخصية محورية في الملف.
وتستمر المحاكمة حتى 19 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، وسط توقعات بأن الحكم قد يؤثر على تحقيق آخر يتناول تهمة “التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية”.
وتشير التحقيقات إلى أن الشركة دفعت ما يقارب خمسة ملايين يورو بين عامي 2013 و2014، من خلال فرعها “لافارج سيمنت سوريا”، إلى جماعات مصنفة إرهابية، إضافة إلى مبالغ أخرى لوسطاء، مقابل ضمان حماية مصنعها في منطقة الجلبية بريف محافظة حلب شمالي سوريا.
وقالت وكالة “فرانس برس”، إن الشركة الفرنسية استثمرت نحو 680 مليون يورو في بناء المصنع الذي أُنشئ عام 2010، واستمرت في تشغيله رغم تدهور الأوضاع الأمنية في البلاد.
وبدأ المسار القضائي ضد “لافارج” في باريس عام 2017، بعد تقارير صحافية وشكاوى قُدمت في عام 2016، الأولى من وزارة الاقتصاد الفرنسية بسبب انتهاك الحظر المالي المفروض على سوريا، والثانية من جمعيات حقوقية و11 موظفاً سورياً سابقاً في فرع الشركة، بتهمة تمويل الإرهاب.
وكانت مجموعة “هولسيم”، التي استحوذت على “لافارج” عام 2015، قد أجرت تحقيقاً داخلياً أكدت من خلاله عدم علاقتها بالأحداث التي سبقت الدمج، حيث خلص التحقيق آنذاك إلى وجود “انتهاكات لقواعد السلوك التجاري في لافارج”.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر عام 2022، اعترفت “لافارج” في الولايات المتحدة بدفع نحو ستة ملايين دولار لتنظيم “داعش” و“جبهة النصرة”، ووافقت على تسديد غرامة قدرها 778 مليون دولار.










