تُعتبر الكاتبة والروائية السورية فاطمة هاشم نفسها في رحلة قلقٍ مستمرٍّ وتطويرٍ دائم، فهي بعيدة كل البعد عن التقيّد بمكان أو نوع محدّد، إذ تطمح لأن تصبح “صوتًا نسائيًا محترفًا يثبت نفسه في مجال الكتابة”.
وتقول فاطمة في حوارها مع “963+” إن الكاتب الحقيقي هو من يكتب جميع الأنماط، من التاريخي والبوليسي إلى البيئة الشامية والرومانسي والاجتماعي.
إنها رحلة شغفٍ بدأتْها في سن العاشرة، وتؤكد فيها أن “الكتابة صَنعة وحِرفة” وليست مجرد موهبة، وأن كاتب السيناريو هو من يتحمّل مسؤولية تحويل الخيال إلى واقعٍ بتحدياتٍ هائلة.
الاحترافية والعمل الأصلي: بصمة الكاتب هي حِرفته
تؤمن فاطمة بأن الكتابة ليست مجرد موهبة، بل هي حِرفة وصَنعة، وحلمها الدرامي هو الإحاطة بكافة جوانب هذه الصنعة، مؤكدة أن “بصمة الإنسان هي أن يُحترف الشيء الذي يعمل به”، وليست مقتصرة على عملٍ واحدٍ محدد.
وتُشدّد على أهمية العمل الأصلي في مسيرة أي كاتب: “أكيد كل كاتب يحب أن يكون عمله أصليًا، يُضيف شيئًا للساحة الفنية وللمشاهدين وللعاملين. أُفضّل أن أكتب شيئًا أصليًا قدر المستطاع، وأتجنّب الوقوع في فخ التقليد والاقتباس والتكرار”.
وتُشير إلى أن الاحترافية تزداد مع كل عملٍ جديدٍ يُضيف للكاتب “حرفًا” و”يُقوّي معالجته”، مما يُمكّنه من “توليد مشاهد وحلقات وتعدّد طبقات”.وتلفت إلى أن هذا التطور لا يأتي إلا بمواصلة منافسة الذات، وتطوير العمل والبناء عليه وتصحيح الأخطاء، لأن الكتابة “قلق مستمرٌّ وتطوير دائم”.
اقرأ أيضاً: الكاريكاتير السوري.. من هامش الحرية إلى ريشة الثورة – 963+
رحلة الشغف.. من أول قصة إلى مسؤولية السيناريو
تؤكد هاشم أن كل مشروع يبدأ كهوايةٍ يُغذّيها الاندفاع والشغف الأول، لكنه يتحول إلى مشروعٍ كاملٍ عندما تتطور الفكرة وتعيش وتتعمّق. وقد تجسّد هذا الشعور مبكرًا في أول قصة كتبتها في الصف العاشر، والتي وصفتها لاحقًا بأنها أصبحت “قصة حياتها” عن فتاة “مُمزقة بين عالمين”، في إشارةٍ إلى “تمزّق الكاتب نفسه بين الخيال الذي يراه وحده، ومحاولة تحويله إلى واقع”.
لم تكن مسيرتها تقليدية، فقد جمعت في دراستها بين تخصّصاتٍ متباينة: الكيمياء والإعلام. وهي ترى أن هذه التخصصات تُثري مسيرتها، فالكيمياء تمنحها دقة الملاحظة والتحليل في رسم أبعاد الشخصيات، بينما يساعدها الإعلام في إتقان فن الصياغة والتواصل.
أما عن دخولها عالم السيناريو، فكان بتشجيعٍ من الأهل بعد كتابتها للرواية: “جرّبت وبعثت مسودة أول نص للأستاذ ليث حجو”، الذي كان أول من اطّلع عليها، وأشار إلى أن الأسلوب “لا يزال بسيطًا ويحتاج إلى تطوير”.
وتصف تجربتها في كتابة المسلسلات بأنها “ليست سهلة أبدًا”، مُشيرةً إلى الضغط الذي تتطلبه الكتابة عند الغوص في عالم كل شخصية وطريقة تفكيرها، وإلى أن المسؤولية تكبر عندما تعلم أن هناك “ناسًا كثيرين مصيرهم متعلق بهذا السيناريو” من مخرجين وممثلين وعاملي إنتاج.
الرواية والسيناريو: عوالم ومحددات
تضع فاطمة هاشم فروقًا تقنيةً بين عالمي الرواية والسيناريو، مُرجعة السبب إلى القيود التقنية والإنتاجية، وتقول إن الرواية هي المساحة الأكبر للحرية: “فيك تبحري وتكتبي كل شي، ترسمي عوالم وتبني مدن، وبظن اللي يمنح حرية ويكبر بالتعبير هي الرواية”.
كما ترى أن الرواية “مختبر للقصص القصيرة”، حيث يكون كل فصل بمثابة قصة قصيرة لشخصية واحدة، وجمهورها يقرأ “ليستزيد معلوماتٍ وثقافة”.
أما السيناريو، فيفرض حدوداً كبيرة نتيجة قيود الإنتاج والعاملين: “في رقابة كبيرة ومحددات كثيرة”، ويُحدّه ما هو قابل للتمثيل، مما يتطلب وضع ذلك في الحسبان. أما جمهوره، فيكون “حاضراً ليستمتع ويسترخي”.
وتذكر هاشم أن عملها الروائي الأول “لأسكن إليك” كان بمثابة “علاجٍ ذاتيٍّ” لجروحٍ شخصية، بينما روايتها “زلة عشق” كانت محطةً محورية لانتشارها وفوزها بجائزة، بفضل بطلتها “ملاذ” التي جمعت المتناقضات. وتشير إلى أن سر نجاحها أنها “جمعت قصصًا كثيرة فيها تشويق وجريمة وحرب وملاحقات، دون إملال”.
وصفة النجاح ومرونة الكاتب
تقول هاشم إن السيناريو الناجح يعتمد على عدة عناصر أساسية: “فكرة جذابة” تتطور إلى “قصة محبوكة جيداً”، مع “حوار جميل غير مبتذل”، و”شخصيات تحيا مع المجتمع”.
وتنصح الكاتب الراغب في البدء بمشروعٍ جديدٍ بأن يستحضر شغفه الأول، وأن “يقرأ الفكرة مرة ومرتين وثلاثًا” قبل أن يبدأ بتطويرها وتخطيط الشخصيات ودوافعها.
وترى أن التوفيق بين الخيال والواقع أمر جوهري للكاتب: “إذا لم نوفّق بين الاثنين، فلن نكون كُتّابًا نعيش مع جمهورنا، وهذه سقطة كبيرة بحق الكاتب”.
وعن الإلهام، تؤكد أنه مبنيٌّ على “مادةٍ أولية تُزرع في اللاوعي وتتخمّر”، مشيرة إلى أن المواصلات العامة مصدر غني بالإلهام، مستذكرةً كيف تخيّلت قصة حياة أبٍ يحمل قصصاً صغيرة لأولاده في لحظةٍ عابرة.
اقرأ أيضاً: التحضيرات تنطلق لـ”تحت الأرض 2: جردة حساب” للعرض برمضان – 963+
تحوّل السيناريو: من الخيال إلى الإمكانيات
توضح الكاتبة أن تحوّل السيناريو من النص المكتوب إلى التنفيذ على الشاشة يختلف حتماً بـ180 درجة، ولا تعتبره “فجوة” بل أمراً طبيعياً، قائلة: “وقت الخيال شي، ووقت الواقع رح يختلف كثير، سواء سلباً أو إيجاباً”.
وتضيف أن عوامل عديدة تتدخل في هذا التحول، منها رؤية المخرج، والمكان، والحقبة الزمنية، والممثل.
وتؤكد هاشم على ضرورة مرونة الكاتب في تقبّل النقد والتعديل، لأن التعديل هو “تحسين ويدل على اهتمام القارئ بالنص”، ويجب على الكاتب أن يتخلى عن الـ”إيغو” ويُعدّل، فـ”السيناريو جهد جماعي”.
وبخصوص القيود المفروضة على العمل، تُفضّل هاشم تسميتها “إمكانيات” لا “قيوداً: “أنا ككاتبة إذا أردت أن يُنفَّذ نصي، يجب أن أُراعي هذه الإمكانيات المتاحة… الفكرة شيء مرن يُمكن تطويعه بمليون طريقة”.
موضحة أن معايير الرقابة الدرامية أصبحت أخفّ بكثير، باستثناء المساس “بهيبة الدولة” ومشاهد العنف غير المبرّر.
تحديات الدراما السورية والفرص المتاحة
تُشخّص هاشم واقع الدراما السورية الحالي بأنه يكافح لإيجاد نفسه من جديد، أو ربما ليُولد من جديد، إذ تتجدد الأفكار والنصوص في محاولةٍ لاستعادة بريقه القديم، في ظل “مرونةٍ كبيرة” في معايير الرقابة.
ورغم صعوبة الفرص أمام الكاتب الجديد بسبب التكلفة الإنتاجية العالية، ترى أن الفرص متاحة للجميع بفضل الإنترنت، لكنها تتطلب من الكاتب الجديد أن يكون مرناً، ويتخلى عن “الإيغو”، ويُطور نفسه باستمرار، وألا يكون أسير “أفكارٍ متخلفةٍ وقديمة”، مع وعيٍ بصعوبة المجال المقبل عليه، معلقةً: “فايت على معركة فيها منافسة قوية مع كتّاب محترفين ومسلسلات أجنبية وتركية”.
وتلخّص هاشم التحديات التي تواجه الكاتب الشاب اليوم ف: سياسات دور النشر (الاحتكار)، والتحدي المادي (تحميل الكاتب جزءًا من التكاليف)، وضعف النشر الرقمي في العالم العربي الذي “يفتقر إلى القوانين التي تحكمه”.
أحلام قادمة ووصية أخيرة
في الختام، كشفت فاطمة هاشم عن مشاريعها القادمة، مبينةً أنها تعمل حاليًا على عملٍ درامي يُصوَّر بعنوان “النويلاتي”، كما كشفت عن عملٍ آخر قيد التحضير يحمل اسم “حاتم الطائي”، وهو حلمٌ قديم تحقق لها.
وتذكر أنها تحلم بتصحيح أول سقطة لها من خلال التعاون مستقبلًا مع الأستاذ ليث حجو، موجّهةً شكرها لشريكها في مشاريع عديدة، الأستاذ عثمان جحا، الذي “علّمها وأرشدها”.
وعن رسالتها التي تحاول إيصالها من خلال كتاباتها، تقول إنها رسالة عدم الاستسلام، معلقةً: “شخصيات الروايات والمسلسلات لا تستسلم… لا تستسلموا.. فما يزال هناك صفحة جديدة نقرأها ونكتبها، وما زال هناك فصل من حياتنا يجب أن نعيشه”.
وفي كلمةٍ أخيرة موجهةٍ إلى فاطمة الصغيرة التي كتبت أول قصة في الصف العاشر، تقول: “لا تستخفي بأفكارك، وسجّلي كل فكرة على ورقة، لأن الفكرة تأتي مرة واحدة وقد ننساها… قدّري أفكارك وطوّريها بدلًا من البحث عن أفكار جديدة، والأهم من ذلك كله: ألا تستسلمي”.










