تسعى تركيا لتحقيق رؤيتها التي تسمّيها “تركيا خالية من الإرهاب”، لكن هذه الرؤية تصطدم بواقع معقد على حدودها الجنوبية. فرغم العمليات العسكرية في شمال سوريا، لم تنجح أنقرة في إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، التي يرى فيها أكراد سوريا بشكل خاص والأطراف الرافضة للحكم المركزي الإسلامي المتطرف عموماً ضمانة وجودية.
“تركيا خالية من الإرهاب”: رؤية تواجه عقدة “قسد”
لا يقتصر التحدي على الجغرافيا السورية، بل يمتد إلى الداخل التركي. تواجه جهود السلام معوقات داخلية خطيرة:
تستغل أحزاب المعارضة مثل “الجيد” و”الوطن” و”النصر” المشاعر المعادية للأكراد للتحذير من أي “تنازلات” في الملف السوري.
تُكلف العمليات العسكرية تركيا نحو 15.6 مليار دولار سنوياً، في استنزاف حاد للاقتصاد التركي المتأزم، كما كان بالإمكان توجيه هذه المبالغ لتنمية مناطق جنوب شرق الأناضول ذات الغالبية الكردية، حيث تصل معدلات البطالة إلى 28%، مما يساهم في تغذية مشاعر الخصومة ضد أنقرة بين الشباب بشكل خاص.
لطالما نظرت تركيا إلى نموذج إقليم كردستان العراق كقصة نجاح، حيث تحولت العداوة إلى شراكة قائمة على المصالح المتبادلة. فالتجارة النفطية والتعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين أنقرة وحكومة إقليم كردستان أثبتت جدواها.
ورغم اختلاف الظروف في سوريا، إلا أن الكثير من الأصوات في الداخل التركي، باتت تركّز على إمكانية إيجاد صيغ متشابهة للعلاقة مع أربيل بالنسبة لقسد أيضاً، خصوصاً وأن تحقيق “تركيا خالية من الإرهاب” يتطلب أكثر من العمليات العسكرية.
يقترح هؤلاء على أنقرة الاستثمار في مناطق اقتصادية خاصة مشتركة على الحدود، مما يخلق فرص عمل ويقلل من جاذبية الجماعات المسلّحة مع إمكانية تقديم شراكة في خط أنابيب النفط المقترح لربط المصالح الكردية بأهداف تركيا في مجال الطاقة.
صدور دعوة المصالحة التركية-الكردية مع أكثر الأحزاب القومية تطرفاً في تركيا، “الحركة القومية” بزعامة دولت بخجلي، يريح الرئيس التركي من محاولات الضغط والتخوين للتيار القومي، ويفتح له مساحة أكبر للمناورة السياسية.
بخجلي، الذي حذّر من تحوّل المسألة الكردية داخل تركيا وعلى حدودها إلى عنصر ضاغط على أنقرة في حال عدم حلّها، يرى مفتاح هذه الأزمة في سوريا في “اتفاق 10 مارس 2025″، الذي يهدف إلى دمج مقاتلي قسد في صفوف الجيش السوري وإعادة المناطق التي تسيطر عليها إلى الإدارة المركزية في دمشق.
حسب بخجلي فإن المسألة الكردية في سوريا ليست مجرد خلاف محلي، بل هي أزمة ثلاثية الأبعاد:
1- العلاقة الأيديولوجية التي تربط حزب العمال الكردستاني والحركة الكردية في تركيا مع “وحدات حماية الشعب” التي تشكّل العمود الفقرة لـ “قسد”. وقد عبّر العديد من السياسيين داخل حزب “ديم” عن اعتبار زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون منذ أكثر من ربع قرب، عبد الله أوجلان، قسد وسورياً خطّاً أحمراً بالنسبة له، ما يهدد بفشل مسار السلام في تركيا في حال أي مغامرة عسكرية تركية في الشمال السوري.
2- العامل الإسرائيلي القوي، خصوصاً بعد صدور تصريحات داعمة من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو للحكم الذاتي الكردي.
3- التشدد الأميركي في دعم قسد كـ”حليف في محاربة داعش”.
سوريا: صراع الأقليات وتهديدات الحدود
تُظهر إسرائيل تصعيداً غير مسبوق في عملياتها العسكرية، حيث لم تعد تقتصر على الحدود بل توغلت في عمق الأراضي السورية بشكل يهدد الجناح الجنوبي للحكومة السورية المؤقتة، ويحبط أي محاولة لأنقرة لكسب النفوذ في هذه المنطقة.
في المقابل، تحاول أنقرة زيادة دعمها للحكومة السورية الجديدة، مشترطة أن يكون هذا الدعم مقابل ولائها وتعهّدها بالقضاء على “المجموعات الانفصالية”، في ظل تصدّع داخلي عميق.
موقف تركيا العدائي تجاه قسد ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة لثلاثة دوافع استراتيجية مترابطة. أولاً، ترى أنقرة أن سيطرة قسد على شمال سوريا تهديد مباشر لأمنها، خاصة مع ما تعتبره صلات قوية بين قسد وحزب العمال الكردستاني (PKK)، الذي يشن هجمات على الأراضي التركية.
ثانياً، هناك مزاعم متزايدة من مسؤولين أتراك بأن قسد تعمل كوكيل لإسرائيل، مما يضيف بعداً جيوسياسياً أوسع للصراع.
وأخيراً، تخشى أنقرة من أن الاشتباكات الأخيرة في مناطق مثل السويداء ومنبج قد تؤدي إلى تفكك سوريا، وهو ما يتعارض مع هدفها المعلن بتحقيق الاستقرار في البلاد.
لمواجهة هذا التحدي، قامت تركيا بخطوة تاريخية عبر توقيع ميثاق دفاعي مع دمشق في 13 أغسطس 2025. يهدف هذا الاتفاق إلى تعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي بين الجانبين، من خلال برامج تدريب مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية في مركز عمليات مشترك في غازي عنتاب.
ما بعد العمليات العسكرية: تركيا تبحث عن حلول سياسية واقتصادية
لكن التغيّر الملحوظ في الخطاب الأميركي تجاه “قسد” قد يجبر أنقرة على إعادة حساباتها. فبعد سنوات من إصرار تركيا على كون وحدات حماية الشعب امتداداً لحزب العمال الكردستاني، خرج المبعوث الأميركي لسوريا توماس باراك بتصريح قد يغير قواعد اللعبة، مؤكداً أن قسد أصبحت الآن “مستقلة هيكلياً” عن حزب العمال الكردستاني.
التصريح يمكن اعتباره جزءا من مناورة دبلوماسية دقيقة تحاول واشنطن من خلالها تحقيق توازن صعب. من جهة، تسعى الولايات المتحدة إلى تهدئة المخاوف الأمنية التركية، والتي تعتبر حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية تهدد أمنها القومي. إن الاعتراف باستقلالية قسد عن الحزب الأم هو محاولة لاسترضاء أنقرة وتخفيف حدة التوتر الذي عكّر صفو العلاقات بين البلدين.
من جهة أخرى، لا يمكن لواشنطن التخلي عن قسد، التي تظل شريكها الأساسي في حربها ضد تنظيم داعش. لا تزال القوات الكردية تلعب دوراً حيوياً في احتواء فلول التنظيم ومنع عودته، كما أنها تشكل ثقلاً ضد النفوذ التركي المتزايد في سوريا. لذلك، فإن تصريح باراك يهدف إلى الحفاظ على هذا التحالف العملياتي الحيوي دون استفزاز تركيا بشكل كامل.
تواصل القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) دعمها لقسد لمكافحة الإرهاب، بينما تفضل وزارة الخارجية تحسين العلاقات مع دمشق. هذا الغموض الاستراتيجي يعكس تفضيل إدارة ترامب لإلقاء مسؤولية تحقيق الاستقرار على عاتق حلفائها الإقليميين مثل تركيا.
من جانبها، تصر قسد على الحفاظ على استقلاليتها، وهو ما يعكس طموحها في الحصول على حكم لامركزي. ترفض المجموعة الاندماج الكامل في الجيش السوري، وتطالب بالسيطرة الإدارية على مناطق شمال وشرق سوريا، مدفوعة بدعم دولي غير مباشر.
صرّح مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مراراً أن قسد والإدارة الذاتية لم تشكّلا يوماً تهديداً أمنياً لتركيا، وفي ظل المحادثات الجارية مع الحكومة السورية بشأن دمج قسد في الجيش السوري مع الحفاظ على الهياكل الأمنية المحلية.
ورغم التهديدات التركية بالقيام بعمل عسكري، إلا أن هناك قيودًا عملية تحد من هذا الخيار. تظل قسد حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في محاربة داعش، وأي هجوم تركي قد يوتر العلاقات مع واشنطن وربما يؤدي إلى فرض عقوبات. كما أن العمل العسكري قد يعرقل جهود تركيا لتطبيع العلاقات مع دمشق والاستثمار في إعادة الإعمار.
داخلياً، تسعى حكومة الرئيس أردوغان لتحقيق توازن بين الخطاب القومي القوي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي قبل الانتخابات البلدية المقبلة.
وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أن تركيا تتبنى استراتيجية طويلة المدى ترتكز على الاحتواء وبناء التحالفات بدلاً من العمل العسكري المباشر.
في الشهر الفائت، كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان عن خيار سياسي لدى “قسد” بالتوجّه نحو “الحدود الملي” في حال فشل المفاوضات مع دمشق المتعنّتة على احتكار السلطة.
ورغم نفي جهات في الإدارة الذاتية للخبر المذكور، في خطوة مفهومة ومعللة دبلوماسياً، إلا أن خيار “الميثاق المللي”، لا يمكن استبعاده، خصوصاً في ظل التقدّم الذي يشهده مسار المصالحة التركية-الكردية داخل تركيا، خصوصاً وأنّه يدغدغ مشاعر فئات واسعة من المجتمع التركي، حيث يشكّل من نقاط الالتقاء المميزة للقوميين والإسلاميين في البلاد.
تُظهر التطورات المتسارعة في سوريا أن خيارات تركيا و”قسد” لا تقتصر على المواجهة العسكرية. ورغم تاريخ الخصومة والاتهامات المتبادلة، فإن النظرة البراغماتية التي تدفعها عوامل اقتصادية وسياسية قد تفتح الباب أمام صيغة توافق جديدة.
التحالف المحتمل بين أنقرة وقسد، وإن بدا مستبعداً للوهلة الأولى، يمكن أن يكون الحل الأقل سوءاً لكليهما. فبالنسبة لتركيا، سيضمن هذا التحالف أمن حدودها ويُنهي استنزاف العمليات العسكرية، مع إبعاد شبح “الوكالة الإسرائيلية” عن حدودها الجنوبية. وبالنسبة لقسد، سيوفر لها هذا التحالف الشرعية والحماية من هجمات أخرى، ويمنحها فرصة للحصول على اعتراف رسمي بحقوقها في إطار نموذج حكم لا مركزي، بعيداً عن أي صدام مع دمشق.










