بدأت سوريا استعداداتها لتصدير أول شحنة من النفط الخام الثقيل منذ رفع العقوبات الغربية، بكمية تصل إلى 600 ألف برميل، عبر الناقلة اليونانية “Nissos Christiana” التابعة لشركة فيتول السويسرية، من مصب النفط شمال طرطوس، بحسب ما نقلت وكالة بلومبيرغ.
وذكرت الوكالة أن مجموعة فيتول، وهي أكبر شركة مستقلة لتجارة النفط عالمياً، ستتولى نقل الشحنة إلى إحدى المصافي في إيطاليا، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ رفع العقوبات، وتشكل بداية لاستئناف صادرات النفط السوري إلى الأسواق العالمية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد رفع في تموز/ يوليو الماضي العقوبات المفروضة على سوريا منذ عقود، دعماً للاقتصاد والحكومة الجديدة، فيما ألغى الاتحاد الأوروبي جميع العقوبات الاقتصادية المتبقية على دمشق قبل شهرين.
وفي السياق، طرحت وزارة الطاقة السورية الشهر الماضي مناقصة لبيع نحو 500 ألف برميل من النفط الخام متوسط الكثافة وعالي الكبريت، ضمن جهود الحكومة لتعزيز الإيرادات الوطنية واستعادة موقعها في الأسواق النفطية.
اقرأ أيضاً: كيف تنعكس عودة النفط السوري إلى الأسواق العالمية؟ – 963+
شحنة وحيدة لا تكفي
الخبير الاقتصادي السوري عمار يوسف يعتبر في تصريحات لـ”963+” أن تصدير شحنة واحدة لا يكفي لإحداث أثر اقتصادي ملموس، مشدداً على أن استمرارية التصدير شرط أساسي لتحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي.
ويوضح يوسف أن شحنة الـ 600 ألف برميل قد تكون مفيدة بشكل محدود، لكنها لا تنعكس على الاقتصاد إلا إذا تكررت دورياً بما يضمن تدفقاً ثابتاً للعملة الصعبة وتحسين ميزان المدفوعات.
ويضيف أن ذلك من شأنه رفع معدلات الإنتاج وإعادة تنشيط الصناعة وحوامل الطاقة، محذراً من أن غياب السيطرة على حقول النفط في الشمال الشرقي يحد من أي خطط تنمية مستدامة.
إنتاج محتمل 150 ألف برميل يومياً
من جانبه، توقع مهندس البترول السوري نظام الأحمد أن يصل الإنتاج في الأشهر المقبلة إلى نحو 150 ألف برميل يومياً كحد أقصى من حقول دير الزور والحسكة، في حال استعادة وتأهيل الآبار المتضررة.
ويشير الأحمد في تصريحات لـ”963+” إلى أن معظم الحقول المستقرة إنتاجياً موجودة في شمال شرقي سوريا، بينما تنتج الحقول الواقعة بيد الحكومة كميات محدودة.
ويوضح أن حقول رميلان والجبسة يمكن أن تعود للإنتاج بتأهيل بسيط، في حين أن حقول دير الزور مثل العمر والتنك تعرضت لتخريب عميق يصعّب عودة إنتاجها لمستويات ما قبل الأزمة.
كما يلفت إلى أن النفط الثقيل السوري يباع بأسعار أقل من الخفيف، لكنه يبقى قابلاً للتسويق إذا توافرت إمكانيات المعالجة والمزج.
ويشدد على أن البنية التحتية النفطية تعرّضت لتدمير واسع، بما في ذلك خطوط النقل ومحطات الضخ، الأمر الذي قد يتطلب إنشاء خطوط جديدة بدلاً من إصلاح القديمة.
اقرأ أيضاً: وزارة الطاقة السورية تعلن تصدير 600 ألف برميل من النفط الثقيل – 963+
استحداث وزارة الطاقة
وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 150 لعام 2025 القاضي بإنشاء وزارة الطاقة، مقرها دمشق، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري.
وبموجب المرسوم، تحل الوزارة الجديدة محل كل من وزارة النفط والثروة المعدنية، وزارة الكهرباء، ووزارة الموارد المائية، مع انتقال جميع حقوقها والتزاماتها، على أن يتم توزيع العاملين الدائمين والمؤقتين على الهيكل الجديد مع الحفاظ على حقوقهم.
كما نص المرسوم على استحداث قسم وفرع باسم وزارة الطاقة في الموازنة العامة، وتوحيد ميزانيات الوزارات المدمجة ضمنها، فيما تُعتبر قرارات وزير الطاقة الصادرة سابقاً نافذة لحين تعديلها وفقاً للأحكام الجديدة خلال ثلاثة أشهر.
وتنظر الحكومة إلى تصدير شحنة النفط الأخيرة باعتبارها نقطة بداية ومن المتوقع أن تتبعها خطوات أخرى تتعلق بتوسيع صادرات النفط وتطوير تقنيات الحفر والإنتاج، إضافة إلى الاستثمار في تحسين مكونات الصناعة النفطية السورية خصوصاً بعد رفع العقوبات وسماح واشنطن بعمليات التصدير إلى سوريا.
وقبل اندلاع الحرب عام 2011 كانت سوريا من الدول المصدرة للنفط مع تحقيق اكتفاء ذاتي كبير من المشتقات النفطية، ووفقاً لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك) فإن العائد السنوي الذي كانت سوريا تحققه من تصدير النفط كان 3 مليارات دولار، وتقع معظم حقول النفط في الشمال الشرقي من البلاد في أراض تسيطر عليها “قسد” حالياً.
ومع رفع العقوبات الأميركية عن سوريا في حزيران/ يونيو الماضي بدأت شركات مقرها الولايات المتحدة بوضع خطة رئيسة للمساعدة على استكشاف واستخراج النفط والغاز السوريين، إذ وقعت على مذكرات تفاهم لاستثمار في قطاعات النفط والكهرباء والغاز.
وتتوزع الحقول النفطية السورية ما بين شرق وغرب الفرات، حيث كانت الحقول الغنية بالموارد تقع شرق الفرات وتحديداً في محافظة دير الزور، مثل حقل “العمر” القريب من بلدة ذيبان الذي كان ينتج 80 ألف برميل يومياً قبل عام 2011، وحقلي “كونوكو” و”التنك” في بادية الشعيطات، أما غرب الفرات فتوجد حقول أقل إنتاجية مثل حقلي “التيم” و”الشولا”، إذ بلغ إنتاجهما سابقاً نحو 15 ألف برميل يومياً.
وفي محافظة الحسكة توجد حقول “الجبسة” و”رميلان” بإنتاج تجاوز 210 آلاف برميل يومياً قبل الحرب التي دمرت البنية التحتية للآبار التي تعرضت إلى القصف المتكرر، مما أدى إلى تراجع الإنتاج إلى مستويات متدنية جداً لا تتجاوز بضعة مئات من البراميل يومياً، كما أن عمليات التكرير البدائية تسببت في تراجع كفاءة الآبار إلى جانب تسببها في ضياع كميات كبيرة من النفط، والتسبب في أزمات بيئة وصحية تحتاج إلى عشرات الأعوام لمعالجتها، إضافة إلى ذلك عجز الحكومات السورية في عهد النظام السابق وبسبب العقوبات عن استيراد المعدات اللازمة لصيانة الآبار والبنية التحتية، مما زاد تدهور القطاع الذي يحتاج إلى مئات الملايين من الدولارات لإصلاحه وإعادة تأهيله.










