في كاليفورنيا، لا يكاد يمر عقد من الزمن من دون أن يعود الحديث عن “الزلزال الكبير” الذي يتوقع أن يضرب صدع سان أندرياس، ورغم أن ذاكرة سكان الولاية تستحضر مشاهد زلازل مدمرة، إلا أن العلماء اليوم يحذرون من أن الحدث المقبل قد لا يكون تكراراً لتلك الكوارث، بل زلزالاً مختلفاً في شكله ومساره، وربما أكثر تعقيداً مما يظنه الجميع.
تاريخياً، شهدت الولاية زلازل قوية تركت بصمة واضحة في الوعي العام، مثل زلزال فورت تيجون عام 1857 الذي بلغت قوته بين 7.7 و7.9 درجات، وتسبب في تمزق أرضي هائل امتد نحو 350 كيلومتراً على طول صدع سان أندرياس.
وبعد ذلك، جاء زلزال سان فرانسيسكو عام 1906 بقوة 7.8 درجات، ودمر معظم المدينة، كما تسبب في حرائق ضخمة خلفت آلاف القتلى والجرحى، وكان هذا الزلزال نقطة تحول في فهم سلوك الصدوع الكبرى، هذه الأحداث التاريخية رسخت الانطباع بأن الزلزال المقبل سيكون نسخة طبق الأصل من الماضي، لكن الدراسات الحديثة تكشف أن الواقع الجيولوجي أعقد بكثير.
سلوك الصدع.. دراسة ميانمار نموذجاً
أظهرت دراسة حديثة نشرت في أغسطس/آب 2025 أن الزلازل الكبرى قد لا تسير دائماً وفق أنماط متكررة، فقد فحص الباحثون الزلزال الذي وقع في ميانمار في مارس/آذار 2025 على صدع يشبه صدع سان أندرياس في بنيته وطبيعة حركته، وكانت المفاجأة أن التمزق امتد لمسافة أطول بكثير مما توقع العلماء، ما كشف أن الزلازل لا تتكرر دائماً بنفس القوة أو النمط أو الموقع.
ويشبه بعض الجيولوجيين حركة الصدوع بالسحاب الذي يُغلق السترة، أحياناً يعلق من نقطة معينة وأحياناً ينفتح من مكان آخر كلياً، هذه المرونة في الحركة تجعل التوقعات التقليدية غير دقيقة، وتوضح أن الزلزال المقبل في كاليفورنيا قد يظهر بشكل مختلف تماماً عن أي نموذج تاريخي.
كما لوحظ أن أجزاء معينة من الصدع تتحرك ببطء على مدى عقود، مطلقة طاقتها تدريجياً دون أن تتسبب في أحداث مدمرة، في حين تتراكم الطاقة في أجزاء أخرى لسنوات طويلة قبل أن تتحرر فجأة، مسببة زلزالاً كبيراً، هذا التفاوت في توزيع الحركة والطاقة يزيد من صعوبة التنبؤ بالموعد الدقيق أو بنمط التمزق المتوقع.
تقديرات الاحتمالات وفق أحدث النماذج
وبحسب التقييم الرسمي الأخير الصادر عن المسح الجيولوجي الأميركي (USGS) ومركز الزلازل في جنوب كاليفورنيا، المعروف باسم (UCERF3(2017، فإن احتمال وقوع زلزال كبير جداً بقوة تفوق 8 درجات في الولاية خلال الثلاثين سنة المقبلة ارتفع من أقل من 5% إلى نحو 7%، أما الزلازل بقوة 6.7 درجات أو أكبر، فتبقى احتمالاتها مرتفعة خصوصاً على الصدوع النشطة في شمال كاليفورنيا مثل هايوورد وكالافيراس.
ورغم أن هذه الأرقام تعود إلى عام 2017، فإنها لا تزال المرجع الرسمي المعتمد حتى الآن، فيما يعمل العلماء حالياً على تطوير نسخة محدثة من النموذج (UCERF4) لمواكبة البيانات الجديدة.
زلزال قد يختلف عن كل ما عرفناه
إضافة إلى ذلك، يؤثر اتجاه تمزق الصدع على شدة الموجات الزلزالية، فإذا تحرك التمزق باتجاه مدينة معينة، فإن الاهتزازات تصل بقوة أكبر، بينما التضاريس المحيطة مثل الأحواض الترابية والوديان يمكن أن تضخم الاهتزازات بشكل ملحوظ، هذا التنوع في الحركة والتأثيرات الجيولوجية يجعل كل حدث زلزالي فريداً من نوعه، ويؤكد أن توقعاته تعتمد على تحليل معقد لمجموعة من العوامل المتغيرة.
وبذلك، تظل حقيقة، الزلزال الكبير، مؤكدة علمياً، لكن طبيعته الدقيقة سواء من حيث القوة أو المدة أو نمط التمزق تبقى غير قابلة للتحديد المسبق، الدراسات الحديثة تؤكد أن المستقبل الزلزالي لكاليفورنيا قد يحمل مفاجآت، وأن الاعتماد على تكرار الأحداث التاريخية وحده لم يعد كافياً لفهم ما قد يحدث.










