اعتبر كثير من المهتمين بالشأن السوري، منذ سقوط نظام الأسد، أن دمج الفصائل السورية المتعددة في هيكل جيش احترافي، سيكون أحد أهم خطوات الانتقال السياسي في البلد نحو حالة الدولة، فهو يؤمّن احتكار الدولة للعنف، وإنهاء الانفلات الأمني، ومكافحة الحالات والعناصر الأكثر تطرفاً بين الفصائل، وتوجيه الجهود نحو مكافحة الإرهاب، وهي من الشروط الأساسية لإعادة إدماج سلطة دمشق في المجتمع الدولي. وبالفعل أعلنت وزارة الدفاع السورية أكثر من مرة عن دمج الفصائل بصفة جيش موحّد، اسمه “الجيش السوري” نظراً لأنه جيش الجمهورية العربية السورية، كما حُدد اسم البلد في الوثائق الصادرة عن السلطة.
ينتظر كثيرون إذن عودة “الجيش السوري”، ولكن بحلّة جديدة، ربما بصفة جيش احترافي، ذي عقيدة قتالية وطنية. إلا أن هذا الانتظار يبدو بلا داعٍ فعلي، فـ”الجيش” الموعود موجود هنا والآن، ولن يكون هناك سواه، ويمكن استشراف مسارات تطوره، وطبيعة هياكله وأدائه وعقيدته، مما هو متوفّر لدينا من وقائع كثيرة. يقيس المنتظرون على أساس فكرة لديهم عمّا يجب أن يكون، أو ما يتمنّون حدوثه، ما يجعلهم يتعامون عن بنية السلطة القائمة، وما يمكن أن تنتجه من هياكل وعلاقات بين عناصرها الأساسية.
منذ لحظة التأسيس، أي الإجراء التكويني لسلطة دمشق فيما يسمى “مؤتمر النصر”، كانت شرعية الحكم “شرعية فصائلية” إن صح التعبير. اجتمعت مجموعة من الفصائل، التي من المفترض أنها أسقطت الأسد، لتعيّن أبا محمد الجولاني، الذي صار اسمه أحمد الشرع، رئيس سوريا، وأعطته صلاحيات واسعة، بدون أن تسأل أي طرف آخر من السوريين عن رأيه بهذا. بالطبع اعتمد هذا على مقولات مثل “الشرعية الثورية”، أو “التأييد الشعبي”، إلا أنها مقولات غير قابلة للقياس، ولم ينشأ عنها أي إطار سياسي له إجراءاته وأنظمته.
ما حدث عملياً هو انقلاب فصائلي، ضمن شرط دولي وإقليمي مواتٍ، فرض، بمنطق الغلبة، رؤيته على الجميع، حتى لو تم ذلك بدون مقاومة. الخطوة التالية مباشرةً كانت “حلّ الفصائل”، بما فيها هيئة تحرير الشام نفسها، وتكرر إعلان حلّ الفصائل ثلاث مرات بعدها على الأقل. إلا أن الفصائل ما تزال موجودة، ومؤسِّسة لـ”وزارة الدفاع”، وتبرز دائماً في سياقات مختلقة، وحاسمة في سياسات ومعارك سلطة دمشق، فهي تَنفُر وتَفزَع؛ ترتكب “انتهاكات” و”ممارسات فردية”؛ وتُلقى عليها مسؤولية جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ترقى لمرتبة الإبادة الجماعية، بما يُبرّئ “القيادة في دمشق”، وينفي تخطيطها ونيتها بارتكاب تلك الجرائم. ما معنى كل هذا؟ وهل بالفعل تريد السلطة دمج الفصائل، وتعجز عن ذلك؟
ربما يكون دمج فصائل متعددة الولاءات، تمرّست بحرب أهلية شديدة القسوة مثل الحرب السورية، أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لأية سلطة كانت، وقد تكون فاتحة لحروب دموية، لفرض هيمنة طرف واحد على الآخرين. إلا أن سلطة دمشق لا تبدي أية إجراءات جديّة في سبيل أي دمج بالمفهوم الكلاسيكي، ولا يبدو أن دافع ذلك هو تجنّب الاقتتال، بل على العكس تماماً: ترسل السلطة تلك الفصائل، التي من المفترض أنها خطيرة ومنفلتة ومتورّطة بجرائم، إلى مناطق متعددة، لبسط سيطرتها باسم “الدولة”، وبعد ذلك تحمّلها مسؤولية “الانتهاكات”، وهذا تناقض غريب، ليس من جهة حدوثه، ولكن من جهة عدم انتباه منتظري عودة “الجيش السوري” إليه: إذا كانت “الدولة” عاجزة عن ضبط الفصائل، فلماذا ترسلها إلى مناطق اشتباكات ذات حساسية اجتماعية وطائفية عالية؟ ولماذا أصلاً تصرّ على بسط سيادتها على مناطق جديدة، قبل أن تتمكن من بسط تلك السيادة على فصائها المُكوّنة نفسها، وعلى أطراف في قلب وزارة دفاعها؟
ربما لا يجب الاستمرار بمناقشة طروحات “الدمج”، ومُصَدِّقيها، أو أخذها، وأخذهم، على محمل الجد، والأجدى مناقشة وقائع أكثر أهمية، مثل الهيكلية الفعليّة لما يسمى “الجيش”، وآليات عمله، وعقيدته.
ألغت سلطة دمشق التجنيد الإلزامي في سوريا، وهذا يعني أن “الجيش” لم يعد جيشاً شعبياً، يخدم فيه بالضرورة أبناء كل فئات وطوائف السوريين، بل بات منظومة تمتلك آلياتها الخاصة في انتقاء العناصر والفئات التي يحقّ لها دخول “الجيش”، بناء على منظور السلطة، وهو منظور ليس خفيّاً على أحد، فـ”الدولة” دولة الأكثرية، التي عانت كثيراً من “حكم الأقلية”، كما يرى المدعو أسعد الشيباني، الذي عيّنته “شرعية” الفصائل بصفة “وزير خارجية”. تواردت أيضاً أخبار كثيرة، عن طبيعة الإعداد العقائدي للمنتسبين إلى ما يسمى “وزارة الدفاع”، مثل ما ذكره العميد أحمد رحّال، وهو ضابط منشق موالٍ لـ”الثورة السورية”، عن أن 70% من التعليم العسكري بات “دورات شرعية”، لا تُذكر فيها سوريا، بل “الأمة”؛ ولا يوجد فيها عسكريون، وإنما “مجاهدون”.
إلا أن هذا لا يعني بالضرورة نشوء جيش جهادي طائفي موحّد، يعمل بأساليب الجيوش النظامية، فهذا لا يناسب العقلية وأساليب العمل الفصائلية، والجهادية، وإنما ظهور هيكلية جديدة للقوى المسلّحة في سوريا، وطريقة غير كلاسيكية في إدارتها، تمزج بين الهيكلية المعروفة في تنظيم القاعدة، وغيره من الجماعات الجهادية؛ وبين تجربة العمل الفصائلي في الحرب السورية. وتتناسب مع طبيعة البنى الاجتماعية والثقافية، التي تأتي منها المجموعات المسلّحة في سوريا، والتي باتت “جيشاً عربياً سورياً”.
تقوم هذه الهيكلية على المجموعات المسلّحة المرنة، القادرة على المبادرة الذاتية، بدون تلقّي أوامر مباشرة ومفصّلة، والتي تعمل لهدف واحد، وتضرب سويةً، انطلاقاً من آليات مرنة، مثل “النفير العام” و”الفزعة”، وبالاعتماد على بنية تحتية أساسية متعددة العناصر، مثل المساجد؛ المجتمعات المسلّحة ذاتياً، كما في حالة العشائر؛ ووسائل تواصل مرنة، ومنها تطبيق تليغرام وغيره. تحقق هذه البنية عدة أهداف ووظائف، أولها تكتيك “الفصائل المنفلتة وغير المنفلتة”، والتهديد بالأكثر تطرفاً، إذ ترسل السلطة فرق الموت الأشد توحّشاً إلى المنطقة المستهدفة، لترويع سكانها والمدافعين عنها، وتحطيم معنوياتهم، ما يدفعهم للاستلام لاحقاً لـ”الفصائل غير المنفلتة”، أي التي تلعب دور “الشرطي الجيّد” في اللعبة نفسها، بوصفها أهون الشرين، وطريقة لوقف الإبادة. يتيح هذا التكتيك أيضاً التهرّب من المسؤولية والمحاسبة، إذ يُصَعّب تتبّع سلسلة الأوامر التي أدت إلى الجرائم ضد الإنسانية، ويجعل إيجاد أدلة عنها أمراً متعذّراً، كما يمكّن السلطة من إلقاء مسؤولية الجرائم على “المنفلتين”، دون أن يعني هذا حتى محاسبتهم جديّاً، فقد رُقّي قادة “العمشات” و”الحمزات” مثلاً، بعد مجازر الساحل، إلى مناصب قيادية في فرق “الجيش العربي السوري”، رغم محاولة تحميلهم مسؤولية المجازر. إضافة لكل ذلك، فإن الهيكل والتكتيك المرن لعمل الفصائل، يتيح لها الاستمرار في وجودها ومعاركها، في حال قتل القادة الأساسيين أو تحييدهم.
“الفصائل المنفلتة” ضرورية جداً لسلطة دمشق إذن، وهي هيكل حكمها الأساسي، ولن تتخلى عنها بالتأكيد. المهم ملاحظة أن هذا التكتيك لا ينفع في حروب جديّة مع عدو خارجي، وإنما فعّال فقط في الحروب الأهلية والإبادات الجماعية، ما يؤكد عملياً توجّه السلطة إلى “الجهادية الداخلية”، أي اعتبار أن المعركة ضد “أعداء الأمة” في الداخل، من مجتمعات متمرّدة، وأقليات عرقية ودينية.
يمكننا على هذا الأساس فهم معنى “دمج الفصائل”، الذي يبدو أنه ليس مجرّد كذبة، فهو يعني إعلان تلك الفصائل ولاءها لسلطة دمشق، وليس حلّ نفسها بوصفها أجساماً مستقلة. مبدأ الولاء، وكذلك التبعيّة، أساسيان في هذا النمط من التكوينات الاجتماعية والمليشياوية، ولا يجور إسقاط مفاهيم أخرى عليها، من سياقات أخرى، مثل الاحترافية، تعالي الدولة، الجيش الوطني الموحّد. لقد عاد “العربي السوري”، وهو معنا اليوم. والائتلاف الجهادي الفصائلي العشائري الحاكم لا يمكن أن ينتج إلا “جيشاً” بهذه المواصفات.










