بشار مبارك
تقاطع في سوريا منطق الحكم الشمولي مع منطق التخطيط المركزي الشامل، لإنتاج منظومة سلطة مركزية تحتكر القرار ومقدّرات الدولة، وأسست لمنظومة مؤسساتية اجتماعية اقتصادية متوافقة مع توجهات هذه السلطة الإقصائية لأي حضور أو شراكة حقيقية مع أيّ من مكونات المجتمع، إلا من خلال شبكة العلاقات والمصالح التي عملت على تعميقها في المجتمع السوري، الأمر الذي خلق بيئة عقيمة لأي حراك سياسي أو مجتمعي منتج، وعطّل الأدوار الوظيفية للمجتمع بكل مكوناته، وكرّس حالة العطالة وسكونية البيئة السورية خلال العقود السابقة من تاريخ سوريا.
حالة العطالة وغياب المشاركة استتبعا غياب التمثيل ومساحة الحضور على المستوى السياسي، بعدما فقدت أو فرغت المحليات من النخب الحقيقية القادرة على تمثيل مصالحها وتلبية احتياجاتها، لحساب منظومة الاحتكار التي، باحتكارها لهذه المساحة أيضاً، جعلت المجتمعات المحلية تنكفئ ضمن حدود هوياتها الأهلية القلقة، على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
إنّ الأرقام التي تحدّثت سابقًا عن تحسّن عدد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية – لا سيما مع بداية هذه الألفية – لا يمكن ردّها إلى نجاح منطق التخطيط المركزي ومنظومة القرار هذه، بمقدار ما يجب قراءتها من خلال السياق الإقليمي والدولي الذي أفضى إلى انفراجات فتحت الباب أمام حضور وازن لسوريا في المشهد الدولي، انعكس وفرةً في التمويل والمساعدات والاستثمارات.
فلم يكن هناك تخطيطٌ، بمقدار ما كان هناك وفرة تصحّح اختلالات التخطيط المركزي، وتُسهم في إنجاح سياساته، بحيث انعكس إيجابًا في تحسّن المشهد الاجتماعي والاقتصادي، لكنه لطالما أخفى وراءه تغوّلًا أكبر لمنظومة القرار وشبكات الفساد والزبائنية، واختلالات تنموية خطيرة ما بين الريف والمدينة، وما بين المدن الكبرى وباقي المدن والمناطق السورية.
إنّ استحضار هذا الماضي القريب بكلّ تراكماته ونتائجه، هو من باب التعلّم من دروسه وتجاربه، فسوريا اليوم تقف أمام لحظة حاسمة في تاريخها المعاصر، في مشهد خارجي يبدو أنه يعيد نفسه على صعيد الانفراج الدولي،
وما سيستتبعه من وفرة في المساعدات والاستثمارات التي يُروَّج لها على أنها حبل الخلاص، مقابل مشهد داخلي مشتعل في ظلّ سلطة مركزية إقصائية، تريد أن تحتكر بنفسها ولنفسها إدارة البلاد دون الاعتراف بأيّ شراكة حقيقية في عملية صنع القرار وبناء مستقبل سوريا، وهي بهذا تعيد تكرار أخطاء الماضي وتزيد عليها، إلى حيث لا يبدو هناك سبيل للإصلاح أو وقف انهيار قريب سيرتدّ أثره عميقًا أبعد من حدود هذه السلطة ومَن التفّ حولها.
التشاركية حبل الخلاص..
نخطئ حين ننطلق في مقاربتنا للتشاركية على أنها محاولة لاسترضاء الداخل أو كسب ودّ الخارج، كما لو أنها خيار تفرضه ضرورات المرحلة، الأمر الذي يستتبع أنه يمكن التخلي عنه لاحقاً.
التشاركية ليست خيارًا مرحلياً، وهي بالتأكيد ليست منحة أو دوراً وظيفياً تلعبه أطراف دون سواها.
التشاركية هي منطق تفكير وأسلوب في إدارة الحكم، يفترض الانتقال من عقلية الوصاية على الدولة والمجتمع إلى الاعتراف بأهلية وأحقّية المجتمع في أن يكون شريكًا حقيقيًا في عملية صنع القرار، بما يعنيه هذا الانتقال من اعتراف بالتمايزات المحلية وغناها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وهو اعتراف قد يكون خطوة البداية في معالجة الكثير من تحديات الحكم الجديد، وما أصاب النسيج الاجتماعي السوري من تهتّك ضرب عميقًا في جذر الهوية الثقافية والاجتماعية السورية، من خلال العنف والترهيب وسياسة اللون الواحد التي أقصت كلّ فرص الشراكة وممكناتها.
تعني التشاركية كسر حلقات العطالة التي تشكّلت بين مؤسسات الدولة والبُنى المجتمعية المختلفة، وهي بهذا المعنى تعطي الفرصة لإعادة إنتاج بنى وهياكل مجتمعية أكثر فاعلية وقدرة على تمثيل المجتمع وفئاته من جهة، ومن جهة أخرى تُشكّل مساحات خصبة لإعادة توصيف الرساميل المجتمعية المختلفة واستثمارها وتعزيز المشاركة المجتمعية الفاعلة، بالنظر إلى أن التشاركية ستضمن إطلاق مساحات مختلفة من المشاركة المجتمعية، بما يُسهم في كسر حالة العطالة والانكفاء التي أصابت مجتمعاتنا المحلية.
هذه الديناميات الجديدة ستكون خطوة البدء في إعادة تقوية النسيج المجتمعي على المستويين المحلي والوطني، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على إعادة الاعتبار للهويات الثقافية كمكوّن أصيل من الهوية السورية الجامعة.
وعليه، وفي مقابل كل الدعوات والرسائل التي ما انقطعت باتجاه السلطات الجديدة لفتح صفحة جديدة من الشراكة الحقيقية التي تفترضها هويتنا السورية وإرادة العيش المشترك، فإنّ الأنظار تتجه إلى هذه السلطة التي ما زالت تقف منفردة متفرّدة، تطرح الشراكة خطابًا دون أيّ فعل حقيقي على الأرض.










