شكّل قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالإعلان عن قراره برفع العقوبات عن سوريا بمثابة حدث تاريخي قد يكون بداية لتغيير المشهد كاملاً في الشرق الأوسط، وليس في سوريا فقط. وكانت إشارته الواضحة إلى أنه سيقوم بذلك بدعم وضمانة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بمثابة رسالة للعالم أجمع بأن المملكة العربية السعودية هي قائدة المنطقة، وإن كان هناك يقين بأنّ ترامب تعمّد القول للجميع بأن محمد بن سلمان هو من يتزعم العرب.
أمور عدة يمكن أن يساهم رفع العقوبات في الدلالة عليها كتطورات قد تطبع المشهد السياسي في المرحلة القادمة:
أولاً: في الحقيقة، هناك من اعتقد بعد سقوط النظام البائد أن سوريا أصبحت منطقة نفوذ تركي، ولكن بعد القمة السعودية الأميركية تأكد للجميع أن سوريا في الحضن العربي وبضمانة سعودية، وأن مسار التعاون العربي بدأ مرحلة جديدة تبدو أكثر انسجاماً وتوازناً، بعد التمكن من تحقيق الخلاص لسوريا، ليس من العقوبات فقط، وإنما من تخندقها لعقود في المسار الإيراني والروسي الذي تسبب لها في عزلة قاسية تحتاج لسنوات لتتعافى منها اقتصادياً واجتماعياً وحتى أمنياً.
ثانياً: أثبت ترامب أن سياسة العقوبات ناجعة، ويمكن أن تؤدي إلى انهيار الأنظمة، وهذا ما فعلته العقوبات بالنظام البائد في سوريا، ما يؤكد أن الولايات المتحدة هي قائدة العالم اقتصادياً وسياسياً، وأي دولة تحاول الخروج من تحت عباءتها أو التمرد عليها يمكن أن تُشهِر العقوبات في وجهها.
ولربما حاول ترامب إرسال هذه الرسالة أثناء تواجده في السعودية، للتأكيد على فعالية سلاح العقوبات أولاً، وثانياً ليؤكد أن المملكة السعودية هي الدولة الأكثر موثوقية في المنطقة والشرق الأوسط.
ثالثاً: بالنسبة لسوريا، عليها من الآن فصاعداً أن تفكر وتُركّز على تطوير اقتصادها ومجتمعها، وهذا لن يتحقق إلا باختيار الارتباط مع الاقتصاد الأقوى في المنطقة والعالم، أولاً مع السعودية، وبطبيعة الحال مع الخليج، وثانياً مع الولايات المتحدة، طبعاً مع بناء علاقات متميزة مع تركيا.
وهذا لوحده كفيل بتحقيق نهضة اقتصادية وعمرانية وتقنية، ويؤكد أن سوريا قد ركبت قطار استعادة التوجّه غرباً بعد أن فشلت وعجزت عن التوجّه شرقاً، وفشلت بطبيعة الحال في مسار “المقاومة”.
رابعاً: لعل المكسب الأهم كان من نصيب الحكومة السورية الجديدة، وإضفاء الشرعية القانونية عليها، بغض النظر عن الثمن الذي دفعته مقابل إزالة العقوبات، والذي يمكن اختصاره بجملة واحدة: “السلام غير المشروط مع إسرائيل”.
ولكن هنا لا بد من الحديث عن شروط تبدو في غاية الأهمية، من قبيل التعامل مع الفصائل الأجنبية وإخراجها من المشهد السوري وفق ترتيب أعتقد أنه بات واضحاً وتم الاتفاق عليه من قبل الأفرقاء المؤثرين، إلى جانب ضمان حماية الأقليات، وهو ما أكد عليه الرئيس الشرع في الكلمة التي وجّهها للشعب السوري بعد عودته من السعودية ولقائه التاريخي مع الرئيس ترامب، حيث أكد على منع التقسيم، ووحدة الشعب، وحماية الأقليات، وهو ما سيكون حكماً مع ما يستتبع ذلك من إجراءات واضحة على الأرض، والاستجابة لما له من تبعات سياسية وعسكرية، والكيفية التي سيتم ترتيب الأمور بموجبها.
خامساً: الخاسر الأكبر من الاتفاق الذي جرت مباركته في السعودية هي “هيئة تحرير الشام”. صحيح أنها هيئة مسلحة تم حلها، ولكن فيها فصائل ما زالت موجودة على الأرض، وبالتالي من البنود السرية التي تم الاتفاق عليها كان تحييد “تحرير الشام” عن المشهد السياسي السوري، بأن تقوم بإعادة إنتاج نفسها بعيداً عمّا كانت عليه في السابق.
سادساً: نحن أمام مشهد سياسي جديد في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وفصوله ستتسارع في الفترة القريبة القادمة، ولن يطول الوقت حتى يخرج ما تم الاتفاق عليه إلى العلن، وأوضحُه دخول سوريا في سلام غير مشروط مع إسرائيل.
أخيراً: لنتأكد جميعاً أن سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية، أو لنقل إنها قرّرت أخيراً، وبفضل الدعم الكبير من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أن تمنح نفسها فرصة حقيقية لتعيد تموضعها في العالم الجديد، الذي لا مكان فيه إلا للأقوياء اقتصادياً وسياسياً. وقد حان الوقت لتخلع أردية التخلف والفساد، ولتتطلع إلى بناء مستقبل أفضل لشعبها.
نشرت هذه المادة في العدد الحادي عشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 16 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد الحادي عشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










