في خطوة هامة نحو إعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي، أعلن عبد القادر حصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، في تصريحات صحافية على هامش مشاركته في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في العاصمة الأميركية واشنطن، أن كل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر قد “تكفلتا بسداد ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي والبالغة 15 مليون دولار”. هذه المبادرة تأتي في وقت حساس بعد سنوات من النزاع الطويل الذي أضرّ بالاقتصاد السوري، مما يعكس بداية مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي في سوريا.
وأكد حصرية أن هذه المشاركة في الاجتماعات تأتي كجزء من خطوات سوريا الجادة نحو الانخراط الكامل في الاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن البلاد بدأت في تنفيذ إصلاحات شاملة تهدف إلى تحديث المؤسسات المالية بما يتماشى مع المعايير المالية الدولية. وأضاف أن هذه الإصلاحات تتضمن تعزيز الشفافية المالية ودعم التنمية المستدامة على المدى الطويل. وحول دور السعودية وقطر في هذا الصدد، ذكر أن هاتين الدولتين قد أظهرتا التزاماً كبيراً في دعم الاستقرار الاقتصادي في سوريا والمساعدة في تأمين بيئة مواتية للنمو الاقتصادي.
اقرأ أيضاً: إدانات سعودية وأردنية وقطرية للقصف الإسرائيلي على سوريا – 963+
إعادة الإعمار على رأس الأولويات
وفي السياق ذاته، أفادت وكالة “رويترز” بأن السعودية قد قامت بدراسة خطة لتسديد ديون سوريا للبنك الدولي بقيمة 15 مليون دولار، وهو ما يُعتبر خطوة تمهيدية للموافقة على منح دولية تهدف إلى دعم قطاع إعادة الإعمار في سوريا. هذه الخطوات تأتي في وقت بالغ الأهمية بالنسبة لسوريا التي تحاول تجاوز آثار الحرب المدمرّة التي استمرت لأكثر من عقد من الزمن، ما أسهم في تدمير البنية التحتية وتهدم مؤسسات الدولة.
من جهة أخرى، أعلنت كريستالينا جورجيفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، في 24 نيسان/أبريل 2025، أن الصندوق يعتزم تقديم الدعم اللازم لسوريا لتيسير عودتها إلى الاقتصاد العالمي. وأشارت جورجيفا إلى أن هذه المناقشات تُمثّل بداية مرحلة جديدة من التعاون بين سوريا والمؤسسات المالية الدولية بعد غياب دام أكثر من 20 عاماً عن المشاركة الفعّالة في الاجتماعات الدولية الخاصة بالاقتصاد العالمي.
وقالت جورجيفا للصحافيين إن هدف الصندوق يتمثل في دعم سوريا في إعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية والتفاعل مجدداً مع الاقتصاد العالمي، وهو أمر يتطلب إصلاحات هيكلية واسعة النطاق في مختلف القطاعات الاقتصادية. كما أشارت إلى أن محافظ البنك المركزي السوري ووزير المالية يشاركان في هذه الاجتماعات لأول مرة منذ أكثر من عقدين، مما يعكس عودة سوريا إلى الساحة الاقتصادية الدولية.
اتفاقات مع المؤسسات المالية الدولية
على هامش اجتماعات الربيع، تم الاتفاق بين المسؤولين السوريين والمؤسسات المالية الدولية على تخصيص مبلغ 150 مليون دولار لدعم قطاع الطاقة السوري. يُعد هذا التمويل جزءاً من خطة شاملة لإصلاح قطاع الطاقة في سوريا، وذلك في إطار جهود الحكومة السورية لتحسين البنية التحتية للطاقة وتعزيز قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها الأساسية من الكهرباء والطاقة. كما تم الاتفاق على وضع برنامج عمل يركز على إصلاح المؤسسات العامة، والقطاع المصرفي، والبنية التحتية لأسواق المال، مما سيساهم في إنشاء قاعدة اقتصادية صلبة للبلاد.
وتُعتبر زيارة الوفد الحكومي السوري رفيع المستوى إلى واشنطن أول زيارة رسمية لمسؤولين سوريين بعد الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر. هذه الزيارة جاءت في وقت حساس حيث يسعى المسؤولون السوريون إلى إعادة بناء علاقات بلادهم مع المجتمع الدولي، خصوصاً بعد سنوات من العزلة التي تسببت فيها الحرب والعقوبات الاقتصادية.
ومنذ بداية النزاع السوري في عام 2011، الذي أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الأشخاص وتدمير جزء كبير من البنية التحتية، كانت سوريا تواجه تحديات اقتصادية هائلة. ورغم محاولات الحكومة السورية الجديدة لتقديم صورة مختلفة عن النظام السابق، إلا أن العقوبات الأميركية الصارمة لا تزال قائمة، ما يعوق التقدم بشكل ملحوظ في عملية إعادة الإعمار.
في هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة في كانون الثاني/يناير 2025 عن إعفاء مؤقت لبعض العقوبات الاقتصادية لتمكين المساعدات الإنسانية من الوصول إلى البلاد. رغم ذلك، فإن تأثير هذه الإعفاءات كان محدوداً على الرغم من الجهود المبذولة لتقديم المساعدة الإنسانية.
اقرأ أيضاً: وزراء خارجية عرب يجتمعون بالسعودية لبحث التطورات بالمنطقة – 963+
الخطوات القادمة في التعاون الاقتصادي
وأشارت التقارير إلى أن آخر بعثة لصندوق النقد الدولي زارت سوريا كانت في أواخر عام 2009، قبل اندلاع الاحتجاجات ضد نظام بشار الأسد، حيث توقفت أي تعاملات رسمية بين سوريا وصندوق النقد الدولي منذ ذلك الحين. ولكن مع تعيين صندوق النقد الدولي للخبير الاقتصادي رون فان رودن كرئيس لبعثته إلى سوريا، يبدو أن هذه الزيارة تمثل بداية جديدة للتعاون الاقتصادي بين سوريا والصندوق.
كما أكد وزير المالية السوري محمد يسر برنية في تصريحاته أن الخطوة التالية ستكون العمل على إصلاح النظام المالي السوري بشكل تدريجي، بهدف تحسين قدرة سوريا على جذب الاستثمارات الأجنبية واستعادة الثقة في المؤسسات المالية المحلية والدولية.
إن تسديد ديون سوريا من قبل السعودية وقطر يمثل نقطة تحول هامة في إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي، ويشكل بداية جديدة من أجل إعادة الإعمار الاقتصادي والبنية التحتية للبلاد. وبينما تواصل سوريا سعيها لاستعادة مكانتها الاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والدولي، تظل التحديات القائمة أمامها كبيرة، إلا أن الدعم الذي تقدمه الدول الخليجية والمؤسسات المالية الدولية قد يكون خطوة محورية نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي في سوريا.
نشرت هذه المادة في العدد الثامن من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 25 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الثامن من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










