ما عاد الحديث يجري بين السوريين عن العلاقات مع إسرائيل همساً، بل يجري بأريحية كبيرة. يتوزع السوريون بين من يتحدث عن النصر الموعود، وصولا إلى أولئك الذين يجدون أن المنطقة بأسرها في حرب أهلية إقليمية لا مخرج منها، إلا باعتراف الجميع بالجميع. وفيما تردد أصوات عتيقة رفضها لسايكس – بيكو ووعد بلفور، وتمسكها بالأوهام القومية والخلافة الإسلامية، يجد الجيل الشاب أن الجيل العتيق أورثه كارثة وطن من دون جولان وإسكندرون وجبيل، ولا حتى شبعا، بل أورثه وطناً ممزقاً مدمراً، وفي تخلف مدقع. لذلك، تراه يتطلع بغضب وتصميم لبناء حيه، ومدينته، وبلده الراهن، ولن يبيع مستقبله لأي وهم سواه. فهو يرى أن هذه الميليشيات والثورات الظافرية الاستشهادية هي التي مكنت إسرائيل من استعادة ما خسرته بعد حرب 1973 على قلته، لتصبح صورة الميليشيات الغيفارية صورة عصابات إجرامية متخلفة، معادية لأي مشروع وطني ممكن.
بذات النسق، يصطف طيف الإسرائيليين، بين عقائديين يسكرهم نتانياهو بالإنجازات الانتقامية للجيش، في انتظار يوم موعود “على أسنة الرماح”، وبين دعاة سلام يصفقون لانتصارات اليوم، لكنهم يدركون انه، من دون سلام مستدام، سرعان ما تدور الدوائر. فإذ تنهار التحالفات والقوانين الدولية، تصير إسرائيل قشة في مهب الرياح، لا ينفع معها القفز بين موسكو وواشنطن في بلد يقف مستقبله على مسافة معركة خاسرة واحدة. وإذ يتصاعد التدين والعسكرة في إسرائيل، تصبح في نهاية الأمر جزءاً عضوياً من حماقات وحروب الشرق الأوسط الأبدية.
أما في السياسة، فالمنطق للقوة والممكن!
بينما تحدث نتنياهو علناً عن “سعادته أن يقتل السوريون بعضهم”، كان السؤال الجوهري الماثل، قبل اندثار بشار الأسد: هل يتمكن – الشيطان الذي نعرف أو نحب – من ضبط المخاطر والسيطرة على بلاده ام لا؟
سرعان ما انهارت الوكالة الأميركية لروسيا في الإقليم بعد أوكرانيا، وتحولت الحرب الباردة بين إسرائيل وإيران، بعد 7 أكتوبر، إلى مجابهة ساخنة، وصار فشل نظام الأسد في ضبط الأرض واحتمالات عودة “الميليشيات الإسلامية” من الشباك، هاجساً إضافياً. وخشية استعادة روسيا التفويض الأميركي، منح بايدن إشارة الانطلاق لسيناريو هيئة تحرير الشام، وأمضى المسؤول الأمني الإسرائيلي الكبير “دريمار” أسبوعاً كاملاً في تركيا، قبيل انطلاق “ردع العدوان”.
بالنسبة إلى إسرائيل، تنفتح السيناريوهات بشكل معقد وخطر. إنها تواجه سؤالين يحددان السيناريوهات والمخاطر واتجاهات فعلها. فإضافة إلى سؤال: هل يتمكن الشرع من ضبط الأرض ومخاطر الميليشيات الإسلامية؟ نشأ سؤال إضافي: هل يضيق الدور التركي في سوريا هوامش التسييد والمناورة الإقليمية لإسرائيل؟ يفسر هذان السؤالان التصرف الاستباقي لإسرائيل. فإن تمكن الشرع من ضبط الأرض بشكل سلمي مستدام، ترغب إسرائيل في إعادة تدقيق اتفاقيات 1974، بما يجعلها أكثر إلزاماً. ونتيجة رسائل مباشرة وغير مباشرة، استجابت الحكومة السورية بإبعاد الأسلحة الثقيلة 80 كم عن الحدود. بالمقابل، على عكس منطق إسرائيل “بطيخ يكسر بعضه”، وإزاء التنافس مع تركيا، وما لم تتمكن الحكومة السورية من درء حرب داخلية جديدة، ستحاول إسرائيل، كما في لبنان، فرض أمر واقع على الأرض، بل تهدد بالتدخل المباشر في الحرب الداخلية المحتملة.
بعد اعتبار ترامب الجولان أرضاً إسرائيلية، لا تبدو إسرائيل مستعجلة لتوسيع اتفاقات أبراهام. فليس لديها ما تعطيه لسوريا، اللّهم إلا بعض الأمور الشكلية وبعض التسهيلات للسوريين في الجولان. ولا يبدو أن للدول العربية، ولا لسوريا، مصلحة في ذلك، قبل وضع قواعد جديدة شاملة لتقسيم العمل في الإقليم.
نشرت هذه المادة في العدد الرابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 4 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










