بالأصل، تضافر عاملان في إطلاق سيناريو “هيئة تحرير الشام” نحو دمشق. فما بين المخاوف من إعادة تفويض روسيا في الإقليم، والحاجة لموازنة الجموح الإسرائيلي المخل بتوازناته، والرغبة في استعادة المبادرة الديبلوماسية الأميركية، كان لابد من موازنة دور وأجندات حلفائها، بحيث لا يتاح لأي شريك الاستفراد والتحكم بهوامش المناورة الاميركية الكبرى في الإقليم.
لذلك، وفي مقابل الاستراتيجية الإسرائيلية المتدحرجة لرسم خارطة إقليمية جديدة، كان مفهوماً أن تتيح الولايات المتحدة لحليفها الموثوق، تركيا، لرسم حصتها من خارطة الإقليم، وإطلاق سيناريو الهيئة الذي طالما عمل عليه الطرفان.
بذلك، وبعد أن أنضجت العقوبات تفكيك منظومة الولاء، واستكملت الأجهزة المختلفة اختراقاتها في مفاصل الجيش، لتخلي مواقعها ساعة الصفر، أطلقت يد الهيئة لتدق المسمار الأخير.
منذ اللحظات الأولى للسقوط، ترقبت الإدارة الأميركية الأوضاع عن كثب. وبحسب ديبلوماسي أميركي سابق، تدرك الولايات المتحدة أن هيئة تحرير الشام يمكن أن تكون أداة هدم فاعلة في تصفية القديم، لكن ثمة تساؤلات كبرى حول قدرتها على المصالحة والبناء”.
على عكس سياسات الإدارات الأميركية السابقة بالدفع من الخلف عبر الوكلاء، تتحرك الإدارة الراهنة كـ”وسيط القوة” (Power Brooker) مباشر ونشط في كل الاقليم. فالمغانم والمخاطر والتحالفات الجديدة، أكبر بكثير من أن تترك للوسطاء! بل إنها تدمج القوة بالديبلوماسية لإدارة الصفقات وتطويع التناقضات، بين القدس وأنقرة وعمان وبغداد ودمشق، فيما تصبح المملكة العربية السعودية والإمارات عموداً محورياً في هذه الاستراتيجية.
أما إيران التي تعتبرها أوساط استراتيجية أميركية “درة تاج الإقليم”، فتعرض عليها الإدارة صفقة تاريخية تسهل تحول إيران لدولة طبيعية، في سياق التحضير لخلافة جديدة.
سورياً، تمتلك الولايات المتحدة روافع عديدة، ليس أقلها التواجد العسكري، والعقوبات الحاكمة، وعلاقاتها النافذة مع السيد الشرع، وعلاقاتها العميقة مع رجال الأعمال في المدن، وبأهلنا في الساحل والجنوب ناهيك عن تحالفاتها الوثيقة بالكرد السوريين وعشائر شرق الفرات، والجيش الوطني في التنف. ثم هناك المطرقة الإسرائيلية الماثلة قرب القصر الجمهوري.
وإذ تدفع الولايات المتحدة بقوة نحو تحقيق مصالحة وطنية سورية مستدامة، وحكومة فاعلة شاملة تدير سلماً حقيقياً طوعياً جامعاً، فإنها تطرح السؤل الجوهري: هل يتمكن السوريون من العيش معا بسلام ورضى؟ لذلك تترقب أميركا والإقليم والعالم عموماً مدى قدرة السيد الشرع على تحقيق ذلك.
ثم، هل تنسحب القوات الأميركية من سوريا؟.. تقديرنا أن إدارة ترامب لن تنسحب، ما لم تضمن استمرار دورها الحاسم في القضية السورية، وتضمن تجنب فضيحة أفغانية جديدة، وتضمن إحباط “داعش” الذي يقرع الباب، وتضمن مكانة مرموقة لأكراد سوريا. فهل تنسحب؟
فبعد نجاحها في عقد الاتفاق بين قسد وحكومة الشرع، سرعان ما انتكس موقفها بحسب مندوبتها في مجلس الأمن، لتعبر عن القلق الشديد لجرائم الفصائل التابعة للهيئة في الساحل، وعن قلقها من نموذج الحكم يعكسه الإعلان الدستوري، بما ينبئ بسلطة شمولية لدولة دينية، لا سمح الله.
وإلا، تخشى الإدارة الأميركية، أن تضطر للقبول بهدوء سوري مجزأ، توكل أمره لتوافق قوى إقليمية، ويستقر طويلاً كأمر واقع، تجنباً لدورة جديدة من الحرب الداخلية قد تعرقل مخطط أميركا الكبير!
نشرت هذه المادة في العدد الرابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 28 آذار/مارس 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










