كانت تلك الليلة الأولى، لم أكن أعلم أن الزمن يمكن أن يتمدد بهذا الشكل، أن الدقائق يمكن أن تصبح ساعات، والساعات دهراً كاملاً. محمد الأحمد، ابن مدينة القامشلي في شمال شرقي سوريا، كان طالباً في كلية الفنون الجميلة، يحمل أحلاماً بسيطة وألواناً يريد أن يلون بها حياته. لكن الألوان سرعان ما تحولت إلى سواد دامس حين طُرق باب غرفته في السكن الجامعي لأول مرة، بحسب ما يروي لموقع “963+”.
الرحلة إلى الجحيم
في الأسبوع الأول من دراسته في كلية الهندسة المعمارية بحلب، استُدعي إلى أحد الفروع الأمنية. لم يكن يعرف السبب. جلس في غرفة التحقيق محاطاً بضباط من النظام السوري السابق، بعيون باردة، يسألونه عن أقارب لم يسمع بهم يوماً. عندما أجاب بالنفي، صفعه المحقق بقوة، ارتطم رأسه بالحائط، رأى أشكالاً براقة أمام عينيه، لكن الألم كان أكثر بريقاً.
العبارة التي سمعها كانت: “ولاك بهيم! أنت متهم بالانتماء لحزب العمال الكردستاني”. لم يكن لمحمد أي علاقة بالحزب، لكن في تلك اللحظة لم يكن ذلك مهماً. رُكل مراراً، وانهالت عليه اللكمات والشتائم، سُحب إلى زنزانة انفرادية بالكاد تتسع لجسده. كانت مترين بمتر واحد، عالم جديد من العزلة والدماء، ينام على إسفنجة تسكنها الحشرات، والجدران تحيط به كنعش حيّ.
بساط الريح والعذاب اليومي
في كل صباح، كان يُقاد مقيداً بالسلاسل إلى التحقيق. في إحدى المرات سأله المحقق: “ولاك كر، شو بيشتغل صهر خالك؟” لم يعرف بماذا يجيب، فتوالت الصفعات والركلات. بعدها جاء الأمر: “خذوه ليعترف على بساط الريح”.
ربطوا جسده على لوح خشبي مائل، ثبّتوه جيداً، ثم بدأ السياط تهوي على قدميه. الصراخ كان يرتد من الجدران، لكن ذلك لم يمنع السياط من الاستمرار. الألم كان لا يُطاق في البداية، لكنه لاحقاً شعر بخدر غريب، كأنه ينسحب من جسده ويراقب التعذيب من بعيد.
وأدرك حينها أن العبودية ليست مجرد قيد في اليدين، بل حين يُجبر الإنسان على إحضار وسيلة تعذيبه بنفسه. كان يمشي متحاملاً على قدميه المتورمتين، يستند إلى الحائط بينما السياط تتابع. ضحكات السجانين كانت ترتفع مع صرخاته، وكأنهم يستمتعون بالمشهد.
وفي الزنزانة، رسم على الجدران تقويماً للأيام، قرأ أسماء محفورة قبله: “عصام، سردار، برخدان. كم واحداً مر من هنا؟ كم واحداً سيأتي بعده؟، يتساءل الأحمد.
البقاء على قيد الرعب
الليل كان الأشد قسوة، البرد ينخر عظامه، ولا صوت سوى طقطقة مفاتيح السجان، الصوت الذي يعني أن أحدهم سيُسحب للتعذيب. كلما اقترب الصوت، كان قلبه يخفق بعنف، يتوسل داخله: “يا رب، بس ما يكون دوري”. وعندما يُفتح باب زنزانة أخرى، كان يشعر بلحظة خلاص، حتى لو كانت مؤقتة.
كان بحاجة لمن يستمع إليه، فبدأ بمحادثة نفسه، يستعرض ذكرياته، يحلم بعودته إلى الجامعة، بأصدقائه الذين ربما يتساءلون عن غيابه.
وبعد ثلاثة أشهر ونصف، نُقل إلى جناح السياسيين، مكبّلاً بالسلاسل مع الآخرين، كأنهم قطيع يُساق. هناك، سمع قصة السجين المسيحي الذي صُلب وعُذّب بطريقة “التشبيح”. بعد احتجاج المسيحيين خارج السجن، نُقل الضابط المسؤول، لكن التعذيب لم يتوقف.
زيارة.. وبعدها انهيار
بعد سنة وثلاثة أشهر، سمع اسمه يُنادى للزيارة. تمنى أن لا يكون والديه، لا يريد أن يروه بهذا الشكل. لكنه ما إن رأى وجهيهما خلف الشبكة الحديدية حتى انفجر بالبكاء. حاول أن يبدو قوياً، لكنه كان مكسوراً من الداخل.
وبعد سنتين من الاعتقال، أُفرج عنه دون تفسير. خرج إلى العالم، لكنه لم يكن كما كان. لم تعد الجامعة تعنيه، رغم أنه تفوق في الفصل الأول، لكنه لم يستطع الاستمرار.
السجن خارج القضبان
صار يجلس وحيداً في غرفته لساعات، الستائر مسدلة، الأبواب مغلقة بلا مفاتيح، حتى لا يسمع صوتها المزعج الذي يذكره بالسجان. البرد لا يفارقه، يشعر دائماً بأنه في الزنزانة، يحسب المسافات بالسنتيمترات كما كان يفعل هناك.
يحاول الهرب إلى عالم آخر، يقضي وقته في برامج التصميم ثلاثية الأبعاد، لكن الحقيقة أنه فقد قدرته على التواصل. لم يعد يدرك أين يبدأ السجن وأين ينتهي.
ربما غادر الزنزانة، لكن الزنزانة لم تغادره.










