ما إن سيطرت “هيئة تحرير الشام” رفقة فصائل تحالفت معها على العاصمة السورية دمشق، حتى بدأت المخاوف تتصاعد، خاصة أن هجومها الذي أطلقت عليه تسمية “ردع العدوان” ترافق مع ظهور مسلحين أجانب.
هؤلاء المسلحين ظهروا في مقاطع مرئية بدأت بالانتشار بعد السيطرة على مدينة حلب، وظهروا في جبال اللاذقية وعلى الساحل السوري وحمص وحماة، ويتكلمون بلغات عدة تختلف عن بعضها يحتفون بتفوقهم على النظام الساقط، وسط مخاوف دولية من هؤلاء الذين يمتلكون خلفيات “جهادية”.
رد جميل!
وبدأت “هيئة تحرير الشام” وفصائل حليفة لها في 27 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، هجوماً واسعاً انطلاقاً من شمالي سوريا، لتدخل دمشق فجر الأحد في 8 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وتعلن سقوط نظام الأسد بعد فراره من البلاد، بعد 24 عاماً على وجوده في الحكم.
اقرأ أيضاً: هل تدير روسيا ظهرها لسوريا وتحصد أولى نقاط الخسارة بالشرق الأوسط؟
واعتبر القائد العام للإدارة السورية الجديدة أحمد الشرع، أن المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون في صفوف المعارضة “يستحقون المكافأة”، قائلاً إن “أعدادهم ليست كبيرة جداً وسيتم البحث في مسألة منحهم جنسية سوريا”.
وبرر الشرع، في تصريحات لمجموعة من الصحافيين في مقر مجلس الوزراء السوري، أن “جرائم نظام الأسد أدت إلى الاستناد للمقاتلين الأجانب”، مشيراً إلى أنه تتم المبالغة في عددهم على وسائل الإعلام في ظل غياب سجل يوثق الأعداد.
وقال: “إذا أخذنا في الاعتبار أن الأشخاص الذين كانوا في بلد آخر لمدة 4-5-6-7 سنوات يحصلون على الجنسية، فيجب أن يكون ذلك خارج نطاق المستحيلات ويمكن دمجهم في المجتمع السوري، إذا كانوا يحملون نفس أيديولوجية وقيم السوريين”.
وفي المقابل كان قد أعلن الشرع، عن قرار بسحب الجنسية السورية من الأفراد الذين منحهم النظام السابق الجنسية على أساس طائفي. كما أشار إلى أنه سيتم النظر في الأملاك العقارية التابعة لهؤلاء الأفراد، بهدف إعادتها إلى أصحابها الأصليين.
وتعرب فرنسا عن قلقها إزاء وجود “نحو مئة جهادي فرنسي” في “الهيئة” التي سيطرت على الحكم في دمشق، معتبرة أنهم يشكلون مصدر “قلق رئيسي”. وقال المدعي العام لمكافحة الإرهاب في فرنسا أوليفييه كريستن لإذاعة “إر تي إل” (RTL)، إن “هؤلاء هم الذين يثيرون القلق الرئيسي اليوم، والذين نراقب ما سيفعلونه”.
وفي مقابلة أخرى لصحيفة “لو فيغارو”، قال المدعي العام، إن “من بين المقاتلين الذين أسقطوا نظام بشار الأسد في أقل من أسبوع، هناك جهاديون فرنسيون كانوا في هيئة تحرير الشام وكذلك في لواء عمر أومسين، أو عمر ديابي، الذي ينظر إليه على أنه قام بتجنيد عشرات الجهاديين”.
وبحسب المدعي العام أن “حوالي خمسين منهم ينتمون في الواقع إلى لواء عمر أومسين وحوالى ثلاثين آخرين إلى الحركة التي يقودها أبو محمد الجولاني، بالإضافة إلى حوالي ثلاثين امرأة موجودات في إدلب”.
اقرأ أيضاً: من سيحكمها؟.. سوريا بين الوصاية الدولية والتدخل الإقليمي
ويقول الباحث في شؤون الجماعات الأصولية، عمرو فاروق، لموقع “963+”، إن العناصر الأجنبية شاركت في صناعة حالة الفوضى المسلحة داخل الساحة السورية منذ عام 2011 وما بعدها، نتيجة تحول إلى بيئة خصبة لإنتاج وتدريب وتأهيل القواعد التنظيمية المتطرفة، التي تمثل البنية الفعلية للمشروع إقامة ما عرف بـ”دولة الخلافة”، التي سعى إليها كل من تنظيم “داعش”، وتنظيم “القاعدة”، كذلك رغم خلافهما حول الكثير من المفاهيم الحركية والتنظيمية ووسائل التنفيذ.
ويضيف فاروق، أن من أبرز العناصر الأجنبية التي توطنت في العمق السوري على مدار السنوات الأخيرة، المقاتلون الألبان، والشيشان، والأوزبكيين، والتركستان، الذين تمركزوا تحت مسميات متعددة مثل “الكتيبة الألبانية”، وتنظيم “أجناد القوقاز”، و”مجاهدو الشيشان”، وكتيبة “الإمام البخاري” الأوزبكية، و”جيش المهاجرين والأنصار”، وكتيبة “بلاك ووتر الجهاد الإسلامي”، وحركة “مهاجري أهل السُنّة بإيران”، فضلاً عن العناصر الأوروبية والإفريقية التي تمركزت في نطاق “هيئة تحرير الشام” وتنظيم “حراس الدين”، وبقايا تنظيم “داعش”.
ويشير فاروق إلى أن هذه العناصر مثلت ضلعاً قوياً في قوة وبناء التنظيمات الأصولية في الباحة السورية، وسبباً غير مباشراً في استمرارها، نظراً لتشبعها بالمفاهيم الأيديولوجية التي دعمت فكرة إسقاط الأنظمة السياسية وقيام دولة الخلافة الإسلامية، خاصة أن هذه العناصر كانت تقاتل القوات الإيرانية والروسية من قبيل الموروث الفكري المتراكم منذ حروب الشيشان وكسوفاً والبوسنة والهرسك، والحرب الأفغانية.
تجنيس الأجانب.. “جريمة دولية”
ويقول إن اتجاه “هيئة تحرير الشام” وحكومة محمد البشير بضم بعض هذه الفصائل إلى وزارة الدفاع السورية يعتبر “جريمة دولية”، خاصة أن “عملية الدمج تمثل تحويلاً للمؤسسة العسكرية من مؤسسة وطنية إلى كيان ميليشياوي، ولائه بالتأكيد ليس للدولة السورية الوطنية، وإنما للدولة الدينية والقائمين عليها”.
اقرأ أيضاً: الرقة.. هجوم محتمل “للجيش الوطني السوري” يثير مخاوف سكان
ويؤكد فاروق على أن قيام “الحكومة السورية المؤقتة”، والممثلة لفصيل واحد فقط، “باتخاذ قرارات مصيرية وفردية متعلقة بترتيب وهيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية والدستورية والقضائية، منها على سبيل المثال، إلغاء التجنيد الإجباري، وضم الميليشيات الأصولية المسلحة في بنية المؤسسة العسكرية، لا يمثل سوى إقصاء لبقية القوى السياسية الأخرى، في ظل عدم بناء مظلة شاملة تضم النخب الفاعلة في الشأن السوري، لوضع المحددات والأطر الحاكمة لهذه المؤسسات وتوجهاتها في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد”.
وتعتبر سلطات غربية أن وجود “جهاديين” في سوريا يشكل تهديداً أمنياً محتملاً، وهناك تحذيرات من أن نجاح أي جماعة “جهادية” في سوريا “قد يشجع مزيداً من الأفراد على السفر للانضمام إلى هذه الجماعات”.
وبينما لا توجد بيانات دقيقة ومحدثة حول أعداد محددة من الألمان ضمن “هيئة تحرير الشام”، تشير التقديرات إلى أن عدداً قليلاً منهم ربما ما زال نشطاً في المنطقة. تتعامل السلطات الأوروبية مع هذه القضية بحذر بسبب المخاطر الأمنية المرتبطة بعودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية.
ومنذ عام 2017، تحاول “هيئة تحرير الشام” النأي بنفسها عن سوابقها الإيديولوجية، بعد أن انشقت عن تنظيم “القاعدة”، وتبنت خطاباً أكثر تسامحاً مع الأقليات. وحافظت على هذا النهج المتبع بعد سيطرتها قبل أيام على العاصمة دمشق وجزء هام من أراضي سوريا.










