شهدت الساحة السورية تحولاً جذرياً مع سيطرة فصائل المعارضة المسلحة بقيادة “هيئة تحرير الشام” على العاصمة دمشق، وهو حدث أثار جدلاً واسعاً حول مستقبل البلاد. تباينت الآراء بين من يرى هذه التطورات خطوة نحو بناء دولة مدنية خالية من النفوذ الإيراني والروسي، وبين من يخشى من تداعيات سيطرة جماعات متشددة على مستقبل سوريا. في الوقت الذي تسعى فيه تركيا لتعزيز نفوذها كلاعب إقليمي رئيسي، تراقب القوى الدولية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الوضع بحذر، وسط دعوات لتشكيل حكومة شاملة تحترم التعددية وحقوق الأقليات.
وفي تطور دراماتيكي شهدته الساحة السورية، تمكنت “هيئة تحرير الشام” وحلفائها من السيطرة على العاصمة دمشق، ما أثار تساؤلات عديدة حول مستقبل سوريا ومن سيكون الوصي على البلاد في ظل تراجع النفوذ الإيراني والروسي.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، للصحافيين، أمس الاثنين، عقب اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي: “التطرف وروسيا وإيران يجب ألا يكون لهم مكان في مستقبل سوريا”. وأضافت: “شدد كثير من وزراء الخارجية على أن القضاء على النفوذ الروسي في سوريا يجب أن يكون شرطاً على الإدارة الجديدة”.
اقرأ أيضاً: الكرملين: لا قرارات نهائيّة بشأن مستقبل القواعد الروسيّة في سوريا – 963+
لكن على الرغم من تراجع دور روسيا ميدانياً، كشف أربعة مسؤولين سوريين لوكالة “رويترز” أن موسكو لن تتخلى عن قاعدتيها الرئيسيتين في طرطوس وحميميم، حتى بعد سقوط النظام السابق. وأكدوا أن انسحاب روسيا من بعض خطوط المواجهة في شمال سوريا والساحل العلوي لا يعني مغادرتها للبلاد.
تركيا: اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً
برز الدور التركي بقوة خلال هذه التطورات، حيث صرّح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأن تركيا لعبت دوراً رئيسياً في إقناع روسيا وإيران بعدم التدخل عسكرياً لإعادة النظام السابق إلى السلطة. وأضاف: “نجحنا في تقليل الخسائر البشرية بفضل تفاهمات مع الأطراف الدولية، ولدينا الخبرة الأكبر في التعامل مع القضية السورية”.
وتروج تركيا لنفسها على أنها اللاعب الإقليمي الأبرز في سوريا بعد الإطاحة بالنظام السابق، حيث أظهرت نفسها ومن خلال تصريحات عديدة لمسؤولين أنها “كانت الداعم الوحيد للمعارضة منذ البداية، وهي الآن في موقع متقدم يتيح لها التأثير في مستقبل سوريا الجديدة”.
وفي السياق ذاته، أكد أحمد الزين، الباحث في الشؤون الاستراتيجية، في حديث لموقع “963+” أن “الدور التركي سيزداد قوة خلال المرحلة المقبلة”. وتوقع أن “تتجه الحكومة المؤقتة نحو بناء دولة مدنية بعيداً عن التوجهات الدينية”، مشيراً إلى أن “السعودية ستدخل على خط الاستثمارات في سوريا، بينما تلاشى الدور الإيراني بشكل نهائي”.
اقرأ أيضاً: حراك ديبلوماسي أوروبي – فرنسي في سوريا – 963+
وعقدت الدول الغربية والعربية اجتماعات مكثفة في الأيام الماضية، كان أبرزها اجتماع في العقبة بالأردن، لمناقشة مستقبل سوريا بعد التغييرات السياسية الأخيرة. وحضر الاجتماع وزراء خارجية الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي وعدد من الدول العربية، بينما غابت روسيا وإيران.
وأعلن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، أن الاجتماع أسفر عن بيان مشترك يؤكد على ضرورة تشكيل “حكومة شاملة” تحترم حقوق الأقليات ولا توفر ملاذاً للجماعات الإرهابية. وأضاف بلينكن: “اتفاق اليوم يبعث رسالة موحدة إلى السلطة المؤقتة الجديدة حول المبادئ الضرورية للاعتراف والدعم الدولي”.
اقرأ أيضاً: بعد سقوط الأسد.. مشروع “دولفين” القطري التركي يعود للواجهة من جديد – 963+
الوصاية الدولية: جدل قانوني وسياسي
في ظل هذه التطورات، أثيرت تساؤلات حول إمكانية فرض وصاية دولية على سوريا. الباحث في العلاقات الدولية، طارق زياد وهبي، يقيم في باريس، أكد لـ”963+” أن فرض وصاية دولية “أمر غير وارد حالياً بسبب وجود قوى أمر واقع على الأرض، مثل “هيئة تحرير الشام” و”قوات سوريا الديموقراطية”.
وأوضح وهبي، أن “الوصاية قد تأتي بشكل غير مباشر عبر الشريك الأقوى، وهو تركيا”، بحسب اعتقاده، محذراً من أن ذلك “قد يؤدي إلى مواجهات داخلية بين الفصائل”.
اقرأ أيضاً: قمة العقبة.. توافق على خطوط عريضة لسوريا وخلافات حول دور الإسلاميين – 963+
من جهته، قال مجيد بودن، أستاذ القانون الدولي في باريس، لـ”963+” إن “وضع سوريا تحت الوصاية الدولية يتطلب شروطاً محددة وفق القانون الدولي، أبرزها تهديد الأمن الداخلي والإقليمي”.
وأضاف: “هذه الشروط غير متوفرة حالياً، لكن في حال فشل الإدارة الجديدة في تمكين كافة مكونات المجتمع السوري من المشاركة، قد يضطر مجلس الأمن إلى التدخل ووضع سوريا تحت وصاية دولية”.
وأشار بودن، إلى انه وفي الوقت ذاته “فمن الصعب إسناد الوصاية لدول مجاورة أو ذات تأثير مباشر، لأن ذلك يتعارض مع مبادئ الأمم المتحدة”.
ولفت إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو “فرض بعض الدول أمراً واقعاً في سوريا، وهيمنتها على الوضع السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يُعد انتهاكاً واضحاً لمبدأ سيادة الدولة السورية على أراضيها وشعبها وحقوقها”.
اقرأ أيضاً: ترامب: تركيا ستمتلك التحكم بمجريات الأحداث في سوريا – 963+
الولايات المتحدة: مصالح متشابكة
رغم تصنيفها “هيئة تحرير الشام” كمنظمة “إرهابية”، تدرك واشنطن أن دعم تركيا لهذه الهيئة قد يمنح أنقرة نفوذاً كبيراً داخل سوريا. للكن هذا النفوذ التركي يثير قلق واشنطن، خاصة فيما يتعلق بمصير “قسد” المدعومة أميركياً. وعبّر عدد من المشرعين الأميركيين عن مخاوفهم من توسيع تركيا لنطاق هجماتها على شمال شرقي سوريا.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية وهبي، أن الولايات المتحدة، ورغم ذلك التصنيف للهيئة، “قد تضطر إلى تخفيف موقفها في إطار رقابة مشددة على الوضع، مع الأخذ بعين الاعتبار الدور التركي والإسرائيلي في تحجيم القدرات العسكرية السورية، ودفع أميركا نحو مسار المصالحة أو التطبيع مع سوريا في المستقبل”.
وفي الوقت ذاته، قال الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، إنّ تركيا كانت ترغب “بالاستيلاء على سوريا، والآن تمكنت من ذلك”، تعقيباً على دعمها لفصائل المعارضة التي أطلقت عملية عسكرية أدّت لسقوط نظام بشار الأسد.
واعتبر ترامب أن: “تركيا ستمتلك قدرة التحكم بمجريات الأحداث في سوريا”. مؤكداً أن “في سوريا الكثير من الأمور غير الواضحة”.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستشهد تحديات كبيرة، أهمها إعادة بناء الدولة السورية وإرساء الاستقرار السياسي والاقتصادي. الباحث طارق زياد وهبي حدد ثلاثة محاور أساسية تجذب العالم نحو سوريا: “المحور الإنساني: عودة اللاجئين، الكشف عن مصير المفقودين، ومواجهة الفقر. المحور السياسي: بناء دستور جديد يحافظ على وحدة سوريا بعيداً عن المحاصصة الطائفية. المحور الاقتصادي: التركيز على إعادة الإعمار والتنمية”.
في المقابل، تستمر الضربات الإسرائيلية على مواقع إيرانية و”حزب الله” ومراكز البحوث العلمية ومخازن السلاح التي كانت للنظام السابق في سوريا، ما يعكس استمرار التوترات الإقليمية. ويشير أحمد الزين إلى أن “الحكومة المؤقتة ستواجه تحديات في فرض سيطرتها على كامل الأراضي السورية، لكن المرحلة القادمة قد تشهد استقراراً نسبياً وانتظاماً للحياة السياسية”.
ومع استمرار الاجتماعات الدولية والإقليمية، يبقى مستقبل سوريا مرهوناً بقدرة الإدارة الجديدة على تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي، وسط تنافس القوى الكبرى والإقليمية على فرض نفوذها في البلاد.










