بعد فترة قصيرة من سقوط نظام الأسد المخلوع، برز ملف إعادة تشكيل المؤسسات السياسية كواحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، خاصة مع الحاجة الماسة إلى بناء أطر دستورية وتشريعية قادرة على مواكبة التحولات التي شهدتها البلاد بعد أكثر من خمسين عاماً على انعدام التعددية الحزبية، ومحدودية دور المعارضة، وتركّز القرار السياسي في مؤسسات السلطة التنفيذية.
ويأتي تشكيل مجلس الشعب الجديد وسط نقاش واسع حول دوره وحدود صلاحياته، ومدى قدرته على تمثيل السوريين وإطلاق مسار سياسي مختلف عن المراحل السابقة، ما قد يشكل فرصة لإعادة تنشيط الحياة السياسية، وفي الوقت نفسه يطرح تساؤلات حول قدرته الفعلية على ممارسة دور رقابي وتشريعي مستقل.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية، طارق زياد وهبي إنه رغم التحفظات على آلية تشكيل مجلس الشعب الجديد، وما رافقها من تعيينات أجراها الرئيس لبعض الأعضاء، فإن وجود مجلس نيابي فاعل يبقى أحد المرتكزات الأساسية لأي نظام ديموقراطي، فالمجلس يمكن أن يكون قوة إيجابية من خلال مراقبة أداء الحكومة، ومناقشة القوانين، والإسهام في رسم مستقبل الدولة، كما قد يتحول إلى مؤسسة شكلية إذا عجز عن أداء دوره الحقيقي أو فقد استقلاليته في ممارسة صلاحياته.
ويؤكد وهبي لـ”963+”، أن نجاح المجلس يظل مرهوناً بوجود حياة حزبية حقيقية تقوم على برامج سياسية واقتصادية واجتماعية واضحة، لا على الولاءات أو الاصطفافات التقليدية. فالديموقراطية لا تقتصر على وجود مجلس منتخب، بل تتطلب أيضاً تعددية سياسية، ومحاسبة للحكومة، ونقاشاً مسؤولاً حول التشريعات والموازنات والسياسات العامة، بما يحقق مصالح المواطنين ويعزز الثقة بالمؤسسات.
ويرى الباحث في العلاقات الدولية، بأنه لا ينبغي إصدار أحكام متسرعة على هذه التجربة، كما لا يجوز منحها “شيكاً على بياض”، بل المطلوب هو إعطاءها فرصة مع ممارسة رقابة موضوعية وبناءة، وتشجيع قيام معارضة مسؤولة أو حكومة ظل تقدم بدائل واقعية، بعيداً عن المعارضة لمجرد المعارضة. فوجود من يؤيد ومن يعارض، مع تقديم الحجج المقنعة، هو ما يثري العمل البرلماني ويخدم المصلحة العامة، ويؤسس لثقافة سياسية قائمة على الحوار والتوافق.
ويشير وهبي، بأن نجاح هذه المرحلة يتوقف أيضاً على قدرة المجتمع المدني على بناء أحزاب وطنية عابرة للطوائف والانقسامات، تسهم في ترسيخ ثقافة المشاركة والمساءلة. كما أن تحسن الوضع الاقتصادي وجذب الاستثمارات وخلق فرص العمل سيمنح العملية السياسية فرصة أكبر للنجاح والاستقرار. وبذلك يمكن لمجلس الشعب أن يشكل خطوة إيجابية نحو بناء دولة المؤسسات والقانون، شرط أن يستمر الانفتاح السياسي، وأن تبقى مصلحة المواطن السوري فوق أي اعتبار، مع ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في مختلف مؤسسات الدولة.
بدوره، لا يعتقد المحلل السياسي أنس الكردي في حديثه لـ”963+”، أن مجلس الشعب بمجرد انطلاق أعماله، سيشكل بداية فعلية لحياة سياسية جديدة في سوريا. فحتى اليوم، لا يمكن الحديث عن وجود حياة سياسية حقيقية، كما لا يمكن اعتبار أن الهدف من تأسيس المجلس الحالي هو إعادة إطلاقها، وعلى مايبدو أن الغاية الأساسية من تشكيله تتمثل في إضفاء الشرعية على المرحلة الانتقالية، عبر سنّ التشريعات اللازمة لتنظيمها، وصولًا إلى إعداد دستور جديد وإقرار القوانين الناظمة للحياة العامة.
أما من حيث قدرة مجلس الشعب على أداء دور سياسي مؤثر، فيقول الكردي إن الأمل يبقى قائماً، إلا أن الواقع يشير إلى وجود توازنات للقوى داخل المجلس، وطبيعة التكتلات التي يتكوّن منها، ستجعله أقرب إلى تمثيل المصالح المناطقية، أكثر من كونه إطاراً سياسياً يعكس تعددية وطنية حقيقية. كما أن وظيفته، في المرحلة الحالية، تبدو تشريعية بالدرجة الأولى، دون أن يمتلك هامشاً واسعاً للتأثير في رسم السياسات العامة.
وفي المقابل، قد يؤدي مجلس الشعب الجديد دوراً مهماً ضمن متطلبات المرحلة الانتقالية، من خلال إصدار التشريعات التي تسهم في نقل البلاد من الوضع الانتقالي إلى حالة من الاستقرار الدستوري والمؤسساتي. غير أن مدى نجاح المجلس في ذلك سيعتمد على طبيعة العلاقة بينه وبين السلطة التنفيذية، وعلى التوازنات الداخلية التي تحكم آليات عمله، بحسب الكردي.
ويرى بأن المؤشرات الحالية توحي بأن المجلس سيبقى إلى حد كبير، مجلساً محدود الفاعلية السياسية. ولا يعود ذلك إلى أعضائه بقدر ما يرتبط بظروف تشكيله وآلية اختيارهم، إذ إن ثلث أعضائه مُعينون، فيما جرى اختيار البقية عبر انتخابات غير مباشرة من خلال لجان فرعية، وليس عبر اقتراع شعبي مباشر. وهذا يضعف شرعيته التمثيلية، لأن قوة أي مجلس نيابي تستند أساساً إلى انتخابات تمنح أعضائه تفويضاً شعبياً واضحاً.










